تعكس تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في الآونة الأخيرة، ومنها ما ذكره، منتصف أغسطس 2026، بإعلانه مضيق هرمز إقليمًا أمريكيًا، وأنه سيتخذ إجراءات اقتصادية قاسية ضد إيران وسيفرض عقوبات على الدول التي ستتعامل معها تجاريًا، مُعضلة الإخفاق الأمريكي في استيعاب دروس حروبها في الشرق الأوسط، بدءًا بالغزو الأمريكي للعراق في أبريل 2003، مرورًا بحربها ضد الإرهاب في الإقليم ضد تنظيم "داعش" الإرهابي، ومساندة إسرائيل في حروبها المتعددة على غزة، مثل "الرصاص المصبوب" 2008-2009، و"عمود السحاب" 2012، و"الجرف الصامد" 2014، و"السيوف الحديدية" ردًا على عملية طوفان الأقصى أكتوبر 2023.
ويتواصل انخراط الولايات المتحدة عسكريًا في الشرق الأوسط وصولًا إلى الحرب الأخيرة على إيران، والتي كانت جولتها الأولى يونيو 2025، والجولة الثانية فبراير 2026، وهي الحرب التي بدأت بتصعيد عسكري إسرائيلي في 13 يونيو 2025، ثم تبعه انخراط أمريكي مباشر بتوجيه ضربات عسكرية ضد مرتكزات البرنامج النووي الإيراني في نطنز، وفوردو، وأصفهان، ليتجه مسار الحرب إلى مواجهات ثنائية أمريكية إيرانية في نطاق مضيق هرمز، بعد أن استدرج نتنياهو ترامب لتلك الحرب. وتجددت تلك المواجهات بين الجانبين الأمريكي والإيراني حتى بعد توقيع مذكرة التفاهم الأمريكية الإيرانية لإحلال السلام، وقبل انتهاء مهلة الـ60 يومًا، وهو الاتفاق الذي وقعه عن بُعد الرئيسان الأمريكي دونالد ترامب والإيراني مسعود بزشكيان، على هامش أعمال قمة الدول السبع الصناعية بفرنسا يونيو 2026.
وعزفت الدول الأوروبية، والدول الأعضاء في حلف الناتو - الذي هدد ترامب بالانسحاب منه، واعتبره نِمرًا من ورق- عن الانخراط في تلك الحرب؛ إدراكًا لصعوبة حسم الصراع المُعقَّد الذي يرتبط نطاقه بأمن الطاقة العالمي عبر مضيق هرمز، ورفضًا لرؤية نتنياهو لمستقبل الإقليم وتصريحه بأن إسرائيل تحارب على خمس جبهات في آنٍ واحد؛ سعيًا لتدشين شرق أوسط جديد. لذلك فإن الولايات المتحدة ربما أخفقت كالمعتاد في استيعاب دروس حروبها في الشرق الأوسط منذ ما يزيد على ربع قرن، إذ استهلت القرن الحادي والعشرين، الذي وصفته بالأمريكي، باحتلال أفغانستان 2001، والعراق 2003، وذلك بعد مرور ما يقرب من عقد على تدشين الأحادية القطبية التي أعلنها الرئيس الأمريكي الأسبق جورج بوش الأب، عقب تحرير التحالف الدولي للكويت عام 1991، بتشكيل نظام دولي جديد تقوده الولايات المتحدة الأمريكية.
ويبدو أن الرئيس ترامب لا يزال يخفق في استيعاب دروس الحروب الأمريكية، برغم تبنّيه للانسحاب الأمريكي من مناطق الصراعات، وسعيه لاتخاذ خطوات جادة نحو تسوية الصراعات المُعقَّدة، وهو ما تجلى في خطته للسلام في غزة من 20 بندًا، والتي وافق عليها مجلس الأمن الدولي، ليشارك في توقيع اتفاق إنهاء الحرب في غزة بشرم الشيخ أكتوبر 2025، كضامن بجانب الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، والرئيس التركي رجب طيب أردوغان، وأمير دولة قطر تميم بن حمد، كما يردد ترامب أنه تمكّن من تسوية ثمانية صراعات دولية منذ وصوله إلى سدة الحكم في الولايات المتحدة الأمريكية.
لذلك يُثار التساؤل المركزي لهذا التحليل، حول مؤشرات الإخفاق الأمريكي في استيعاب دروس حروبها في الشرق الأوسط، والتي امتدت حتى حربها الحالية على إيران، ووقوفها كحائط صد ضد إدانة إسرائيل في مجلس الأمن باستخدام حق النقض "الفيتو"، بعد أن انتفض المجتمع الدولي رفضًا للانتهاكات الإسرائيلية في غزة.
مؤشرات الإخفاق
تتنوع مؤشرات الإخفاق الأمريكي في استيعاب دروس حروبها في الشرق الأوسط، والتي يمكن الإشارة إلى أهمها على النحو التالي:
(*) ضبابية أهداف الحرب: للمفارقة فإن الحرب الأمريكية على إيران 2025-2026، والتي جاءت بعد مرور ما يقرب من ربع قرن على غزو للعراق في 2003، بدأت بإعلان ترامب إنهاءه لقدرات إيران النووية بعد الانخراط الأمريكي المباشر في الحرب بتوجيه ضربات أمريكية ضد المرتكزات الثلاثة للبرنامج النووي الإيراني في نطنز وفوردو وأصفهان، ثم ما لبث أن تأرجحت أهداف الحرب ما بين تغيير سلوك النظام وصولًا لتغيير النظام ذاته. غير أن المؤكَّد من ضبابية الأهداف الأمريكية ما حصلت عليه إيران في المقابل من جوائز إستراتيجية، ففي الحرب الأمريكية على العراق واحتلاله في 2003، أهدت واشنطن لطهران تغلغلًا في العراق وتَحوُّل نوعية النخبة الحاكمة، التي بدت أكثر ميلًا لإيران بعد الغزو الأمريكي، وفي الحرب على إيران 2026، أهدت أمريكا لإيران أيضًا سيطرة أمنية على مضيق هرمز الذي ظل مفتوحًا للملاحة الدولية حتى اندلاع الحرب، وتسعى أمريكا الآن لفتحه، إذ لم توظفه إيران في جولات صراعها السابق الممتد مع الولايات المتحدة، وهي الجولات التي كانت تُدار بالوكالة على أراضي عربية. ودفع الاستهداف الأمريكي إيران لتوظيف عُقدة مضيق هرمز لتُعيد للجغرافيا السياسية بريقها، بعد أن خفتت لفترة زمنية ممتدة لصالح عوامل إستراتيجية أخرى ارتبطت بالتفوق العسكري، وقدرته على حسم الصراعات، وهو ما لم تحققه أمريكا في كل جولات حروبها في الشرق الأوسط.
(*) متاهة التفوق العسكري: تقوم فكرة التفوق العسكري الحاسم على تمكُّن أمريكا، باعتبارها القطب الدولي الذي يمتلك أكبر موازنة عسكرية وأسلحة متقدمة، من حسم أي صراع عسكري لصالحها، وهو الأمر الذي بدى غير واقعي على مسرح عمليات الإقليم، فقد تكبّدت القوات الأمريكية خسائر بشرية وعسكرية عقب غزوها للعراق 2003، وتمكّنت المقاومة العراقية من تأجيل السيناريو الأمريكي الذي ارتبط بإستراتيجية الفوضى الخلّاقة التي تبنتها كوندليزا رايس وزيرة الخارجية الأمريكية آنذاك، من تفكيك وإعادة تشكيل أنظمة في الشرق الأوسط لصالح دعاوى واهية للتحول ديمقراطيًا بنظرية الدومينو. وهو ما لم يتحقق. وفي أغسطس 2026، وجدت أمريكا نفسها في قلب صراع وحرب ومفاوضات مع إيران، كانت جولتها العسكرية الأولى في يونيو 2025، وبدأت الثانية في 28 فبراير 2026. وعلى مدى سنين طويلة خلت، مارست الولايات المتحدة سياسة العقوبات القصوي ضد طهران. ولم يتمكن التفوق العسكري الأمريكي من حسم الصراع مع إيران، بعد أن وظّفت طهران عقدة مضيق هرمز للتأثير على مسالة تأمين إمدادات الطاقة العالمية، حيث يمر من المضيق ما يقرب من 20% من إمدادات الطاقة. وبدا التفوق العسكري في مواجهة الجغرافيا السياسية محدود النتائج.
(*) معضلة وقف الحرب: يبدو أن الدرس الأهم من حروب الولايات المتحدة في الشرق الأوسط، والذي لم تدركه واشنطن ومنها الحرب على إيران 2026، هو أن عليك معرفة متى تنهي الحرب قبل اتخاذ قرار بدئها، وهو ما يُعبّر عنه الباحثون بضرورة وجود إستراتيجية الخروج من الحرب. فعلى سبيل في أفغانستان، كان مشهد الأيام الأخيرة للانسحاب فوضويًا وغير مُنظَّم، نتيجة عدم وجود إستراتيجية وخطط للإجلاء وعدم وجود القدرات الضرورية اللازمة لتأمين العملية. لذلك ظلَّ هذا درسًا مهمًا لواشنطن وطهران على حد سواء، وإدراك اللحظة التي تزداد فيها تكلفة استمرار الحرب على المكاسب المتوقعة من الانتصار فيها. إن إحدى النصائح المتكررة في كتب الفكر الإستراتيجي وإدارة الحروب، هو أن عليك ألا تدخل حربًا لا تعرف كيف تخرج منها، وأن تأخذ في حساباتك إستراتيجيات الخصوم، وأنهم سوف يسعون لتوريطك في الحرب، واستنزاف مواردك فيها.
(*) الانحياز الأمريكي لإسرائيل: إذا كانت جوهر الإستراتيجية الأمريكية إزاء الشرق الأوسط تقوم في أحد جوانبها على ضمان أمن إسرائيل وتفوقها النوعي عسكريًا على كل دول الشرق الأوسطـ، فإن هناك العديد من الدراسات التي تبنّت أن التحالف الإستراتيجي بين الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل، قد أضرّ بالمصالح الأمريكية. وربما استشعر ترامب ذلك التوجُّه بعد أن رفض التعليق أخيرًا على موقفه من نتنياهو الذي سيخوض تحالفه انتخابات الكنيست المزمع عقدها في أكتوبر 2027.
(*) تراجع المنظومة القيمية: يُشكِّل ضعف المنظومة القيمية والأخلاقية التي تتبناها واشنطن على هامش حروبها في الشرق الأوسط، أحد السمات الرئيسية التي لا تزال سياسات واشنطن تنتهجها. ففي غزة، التي شهدت حرب إبادة إسرائيلية أودت بحياة أكثر من 70 ألف شهيد، غابت منظومة حقوق الإنسان التي تتبناها أمريكا في توجهاتها الخارجية، وغابت أيّة مُساءلة قانونية أو أخلاقية من قبل المؤسسات الدولية التي تهيمن عليها واشنطن، لا سيما مجلس الأمن الذي شهد توظيفًا أمريكيًا للحيلولة دون أي قرارات دولية تُدين انتهاكات إسرائيل المشينة في غزة. وفي فنزويلا وإيران، بدت معادلة النفط أهم من قيم سيادة الدول ومنع استخدام القوة في العلاقات الدولية خارج الأُطر المشروعة على المستوى الدولي.
ختامًا؛ عكست الحرب الأمريكية الإيرانية سمات وخصائص ومؤشرات الإخفاق الأمريكي في استيعاب دروس حروبها في الشرق الأوسط، منها ضبابية أهدافها، وصعوبة وقف الحرب، إخفاق تفوقها العسكري في حسم أي من تلك الحروب، ومنها الحرب على إيران، التي أعادت الاعتبار لدور الجغرافيا السياسية في معادلات القوة والصراع، فهل تستوعب واشنطن أن إقليم الشرق الأوسط بكل حضاراته وقيمه يحتاج لمقاربة أمريكية جديدة تَحول دون الانحياز المطلق لدولة إقليمية تسعى لفرض رؤيتها على حضارات مستقرة وراسخة لا يمكن تجاهل دورها التاريخي ومستقبلها في صياغة ترتيبات الإقليم بما يتماشى مع مصالح الشعوب التواقة للاستقرار.