الموقع الرسمي | القاهرة الاخبارية

احتمالات واردة.. هل يتغير مستوى الهيمنة الأمريكية في الشرق الأوسط؟

  • مشاركة :
post-title
علم أمريكا

القاهرة الإخبارية - د. مبارك أحمد

تشكل عودة التصعيد الأمريكي الإيراني في الشرق الأوسط واستمراره، وغياب عنصر الردع القادر على تسوية الصراع وحسمه حتى بعد التوصل إلى مذكرة تفاهم بين الجانبين في 18 يونيو 2026، لإحلال السلام ووقف إطلاق النار، أحد تجليات أزمة الهيمنة الأمريكية في الإقليم، لا سيما بعد أن تم استدراج الولايات المتحدة الأمريكية إلى الانخراط في التصعيد العسكري في الشرق الأوسط، والذي بدأ بتصعيد إسرائيلي إيراني متبادل منذ 28 فبراير 2025، مرورًا بتوجيه ضربات أمريكية لمرتكزات البرنامج الإيراني في فوردو ونطنز وأصفهان في يونيو 2025، وصولًا إلى تصعيد إيراني أمريكي متبادل ما بين قوتين، إحداهما قوة دولية لديها مشروع للحفاظ على الأحادية القطبية واستمرار الهيمنة، والثانية قوة إقليمية لديها مشروع من خلال تعزيز نفوذها عبر شبكة من الأذرع الإقليمية في لبنان، وسوريا والعراق، واليمن.

وبدا أن أمن الطاقة العالمي عبر مضيق هرمز إزاء مشروعين متصادمين، أحدهما يسعى لفتح المضيق وانسياب إمدادات الطاقة من الإقليم إلى دول العالم المتقدم، والثاني يوظف عقدة المضيق التي أتيحت له في لحظة تاريخية ربما لن تتكرر لاستعادة مكانة الجغرافيا السياسية في مسار توازنات القوى الإقليمية والدولية. وللمفارقة التاريخية، فإذا كانت الولايات المتحدة بغزوها للعراق في أبريل عام 2003، وما أدى إليه من كسر قوته وانهيار دولته الوطنية، وهو ما منح إيران فرصة لتعزيز نفوذها داخل العراق وعلى مستوى الإقليم ككل، غير أنها وبعد ما يزيد على عقدين من الزمان تمنح إيران نفس الفرصة لتعزيز هيمنتها على مضيق هرمز، الذي يمر منه ما يقرب من 20% من إمدادات الطاقة العالمية. وهو الأمر الذي جعل الإقليم إزاء معادلة استراتيجية ترتبط بكلمـا مارست الولايات المتحدة في توجهها إزاء الإقليم سلوكًا بعيدًا عن المشروعية الدولية، وأطر القانون الدولي والإنساني، كما حدث في العراق، وغزة، وإيران، كلما أسهم ذلك في تدهور قدرات الدول الوطنية في الإقليم لصالح كيانات وأذرع ما دون الدولة. وهو الأمر الذي ينعكس بطبيعة الحال على استقرار الإقليم، وتراجع هيمنتها على تفاعلاته.

تأسيسًا على ما سبق، يثار تساؤل مركزي حول مدى الهيمنة الأمريكية وحدودها في الشرق الأوسط بعد تجدد التصعيد مع إيران، وما إذا كانت تلك الهيمنة تتراجع لصالح مشروعات إقليمية ودولية تسعى لملء الفراغ، أم أن ترامب سيتمكن من إعادة إنتاج تلك الهيمنة والحفاظ على مكتسباتها؟

أفول الهيمنة

يعدد الخبراء والأكاديميون المهتمون بدراسة الشؤون الأمريكية والشرق الأوسط العديد من المؤشرات التي تعكس أزمة الهيمنة الأمريكية داخل الإقليم، والتي يمكن الإشارة إلى أهمها على النحو التالي:

§ تراجع مفهوم الدولة الوطنية في الرؤية الأمريكية: أدى تراجع مفهوم الدولة الوطنية في رؤية الولايات المتحدة للشرق الأوسط إلى سقوط الدولة في العديد من النماذج في العراق 2003 وبعد 2011 في اليمن وليبيا وسوريا، وهو الأمر الذي أدى إلى سقوط المؤسسات، وتنامي الحروب الأهلية والإقليمية المستدامة، وتصاعد مظاهر العنف الطائفي والمجتمعي، وتكريس السلطوية، وقد تزامن ذلك مع تدمير البنية الأخلاقية للنظام الدولي، وهو ما كشفته حرب غزة من خلال ممارسة ازدواجية المعايير، وانتهاك مبادئ الأمم المتحدة والقانون الدولي العام، وتوظيف حق النقض "الفيتو" لمنع إدانة إسرائيل أو محاسبتها على عدوانها على غزة. وهو ما أدى وفق العديد من الخبراء إلى اهتزاز نظام الهيمنة الأمريكي في المنطقة بتآكل مصداقية الردع الأمريكي، وضعف قدرة واشنطن على فرض إرادتها، أو توجيه سلوك الفاعلين الإقليميين، بمن فيهم الحلفاء والخصوم على حد سواء.

§ تشكيل مجلس السلام العالمي: ظهرت فكرة مجلس السلام ضمن محاولات ترامب لإرساء تسوية سياسية في الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، وأُعلن عن المجلس رسميًا ضمن تصريحات البيت الأبيض قبل توقيع ميثاقه في دافوس يناير 2026، بعد توسيع دوره ليشمل تسوية نزاعات أخرى، فالنظام الدولي الحالي يستند إلى منظمة الأمم المتحدة ومبادئها، السيادة وعدم التدخل والعدالة الدولية. ويمثل إنشاء مجلس السلام محاولة من واشنطن لإنشاء "أمم متحدة جديدة" تحت قيادة دولة واحدة قد يضعف من التزام الدول بمبادئ القانون الدولي، ويؤدي إلى تسييس عملية صنع القرار في القضايا المؤثرة عالميًا.

§ التحالف السعودي التركي الباكستاني: في 7 أغسطس 2026، أعلنت السعودية وتركيا وباكستان عن توقيع اتفاقية للدفاع المشترك، خلال قمة عُقدت في قصر الصفا بمكة المكرمة، بحضور قادة الدول الثلاث، ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، والرئيس التركي رجب طيب أردوغان، ورئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف. وفقًا للبيان المشترك حسب وكالة واس، تهدف الاتفاقية إلى "تعزيز الأمن المشترك، وتحقيق الأمن والسلام والاستقرار في المنطقة والعالم"، وتنص على "تعزيز الردع المشترك ضد أي اعتداء، كما تقر بأن أي هجوم مسلح على إحدى الدول الثلاث يعد هجومًا على جميعها، إلى جانب توسيع التعاون الدفاعي والعسكري في مختلف المجالات. ويعكس ذلك التحالف ضعف الضمانة الأمريكية لأمن الخليج واتجاه دول الخليج لعقد تحالفات مع دول إقليمية، كانت قطر قد قامت بتوقيع اتفاقية للدفاع المشترك مع تركيا عام 2014.

§ المنافسة الصينية الروسية: تشكل المنافسة الروسية الصينية للدور الأمريكي في الشرق الأوسط أحد المحددات الحاكمة نحو أفول الهيمنة الأمريكية على تفاعلات الشرق الأوسط، فقد نجحت الصين في الوساطة ما بين السعودية وإيران لاستعادة العلاقات الدبلوماسية بينهما. كما تطالب روسيا والصين بالتحول نحو نظام متعدد الأقطاب بعيدًا عن الهيمنة الأمريكية.

ختامًا، تواجه الهيمنة الأمريكية في الشرق الأوسط تحديات ماثلة ترتبط بسعي واشنطن للحفاظ على مصالحها وانحيازها لإسرائيل، والسعي لتقويض دور المؤسسات الدولية وفي مقدمتها الأمم المتحدة ومجلس الأمن، وطرح صيغة لمجلس السلام العالمي يعزز من إعادة إنتاج الهيمنة ويحول دون صعود قوى أخرى منافسة. غير أن حركة التاريخ تؤكد على صعود وأفول الإمبراطوريات، وأن ما يعجل بانهيارها هو افتقادها للجانب القيمي والأخلاقي عالميًا.