الموقع الرسمي | القاهرة الاخبارية

رسائل جولة جاريد كوشنر بالشرق الأوسط

  • مشاركة :
post-title
مبعوث الرئيس الأمريكي جاريد كوشنر

القاهرة الإخبارية - د. مبارك أحمد

تأتي جولة مبعوث الرئيس الأمريكي جاريد كوشنر الشرق أوسطية، والتي زار خلالها كلًا من مصر وإسرائيل، في 16 و17 أغسطس 2026، لتتزامن مع تعقيدات المشهد الإقليمي في الشرق الأوسط بعودة التصعيد العسكري بين إيران والولايات المتحدة الأمريكية، وتجاوزهما لما أقرّته مذكرة التفاهم لإحلال السلام بينهما، والتي وقّعها الطرفان في 18 يونيو 2026، لوقف إطلاق النار وانتهاج المفاوضات وسيلة لحل القضايا العالقة.

كما تزامنت تلك الجولة أيضًا مع استئناف إسرائيلي للهجمات على غزة، وتلكّؤ في تطبيق بنود المرحلة الثانية من خطة غزة، وفق مبادرة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، المُكوَّنة من 20 بندًا، والتي وأقرّها مجلس الأمن الدولي بعد موافقة طرفيّ النزاع الفلسطيني الإسرائيلي في غزة، وبضمان أمريكي مصري قطري تركي، وفق مُخرجات قمة شرم الشيخ لوقف الحرب في غزة، أكتوبر 2025.

وتأسيسًا على ما سبق؛ يُثار تساؤل مركزي حول ماهية رسائل جولة كوشنر الشرق أوسطية، وهل ستتمكن الولايات المتحدة من فصل الملفات المتداخلة في الإقليم، وتبني توجُّه يحول دون السيناريو الأصعب؟

رسائل متنوعة

تأتي جولة كوشنر الشرق أوسطية لتحمل العديد من الرسائل، سواء تلك المتعلقة بالرؤية الأمريكية لتسوية الصراع في غزة، أو تلك المتعلقة بالقوى الإقليمية الداعمة للاستقرار في المنطقة، وكذلك موقف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، وهي رسائل تتعلق بالداخل الإسرائيلي، ومدى استمرار دعم ترامب له، لا سيما وأن انتخابات الكنيست، التي ستجري في أكتوبر 2026، ستكون حاسمة لمستقبل نتنياهو السياسي.

وتحمل جولة كوشنر العديد من الرسائل الأمريكية، والتي يمكن الإشارة إلى أهمها على النحو التالي:

(*) تحوُّل الرؤية الأمريكية: يُمثّل التحول في موقف الرئيس الأمريكي من رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو، مُكوِّنًا رئيسيًا لرسائل مبعوثه جاريد كوشنر، الذي يأتي لمنطقة الشرق الأوسط في لحظة تباعد بين ترامب ونتنياهو، بعد أن تجنّب الرئيس الأمريكي أخيرًا الإجابة عن أسئلة للصحفيين، فيما يتعلق بدعم رئيس الوزراء الحالي في الانتخابات الإسرائيلية المقبلة. ويبدو أن ترامب أدرك المأزق الذي سبّبه نتنياهو بعد استدراجه للدخول في مواجهة مع إيران، وإمكانية إسقاط النظام بيسر، وهو الأمر الذي كان أكثر تعقيدًا بالنسبة لترامب، بعد أن تمكنت إيران من توظيف عقدة مضيق هرمز كورقة ضغط لمواجهة الاستهداف الأمريكي الإسرائيلي لها.

(*) محورية الدور المصري: عكست الرسالة الأهم لجولة كوشنر محورية الدور المصري لإحلال السلام في الشرق الأوسط، لا سيما وأن الموقف المصري الصلب والرافض لتهجير الفلسطينيين من أرضهم، ودعم حقهم في إقامة دولة مستقلة تكون عاصمتها القدس الشرقية، شكَّل الإطار المرجعي لاتفاق إنهاء الحرب على غزة، وهو الاتفاق الذي أقرّ ببقاء الفلسطينيين على أرضهم دون تهجير. كما أعطى حق العودة لمن يريد منهم، بل ذهب إلى أبعد من ذلك، وهو إمكانية الوصول لتفاهمات بشأن مبدأ حل الدولتين.

أكد كوشنر، خلال لقائه الرئيس عبد الفتاح السيسي، محورية العلاقات الثنائية الإستراتيجية التي تجمع مصر والولايات المتحدة، كما تطرق اللقاء، وفقًا للمتحدث الرسمي باسم الرئاسة المصرية السفير محمد الشناوي، إلى التطورات بمنطقة الشرق الأوسط، إذ أكد الرئيس عبد الفتاح السيسي أهمية مواصلة العمل من أجل مواجهة التحديات المشتركة في ظل حرص البلدين على دعم الأمن والاستقرار على المستويين الإقليمي والدولي، كما تم التشديد فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية على ضرورة قيام الأطراف كافة بتنفيذ التزاماتها بموجب اتفاق وقف الحرب في قطاع غزة، والذي تم التوصل إليه خلال قمة شرم الشيخ للسلام في أكتوبر 2025.

(*) الداخل الإسرائيلي: ربما تتداخل جولة كوشنر، وما تحمله من توجهات أمريكية، مع حسابات الانتخابات الإسرائيلية، المقررة في 27 أكتوبر 2026، إذ تظهر الاستطلاعات، التي أوردها موقع "أكسيوس"، حصول ائتلاف نتنياهو على ما بين 49 و53 مقعدًا، بعيدًا من عتبة الـ61 اللازمة لتشكيل حكومة، مقابل 67 إلى 70 مقعدًا لأحزاب المعارضة. وفي هذه الظروف، يكتسب موقف ترامب أهمية خاصة؛ إذ امتنع عن إعلان تأييد نتنياهو، رغم سؤاله أربع مرات، بعدما كان دعمه له شبه محسوم في مراحل سابقة.

(*) مستقبل اتفاق غزة: يُمثّل اتفاق غزة والانتقال إلى المرحلة الثانية من الاتفاق، إحدى أبرز رسائل جولة كوشنر، لا سيما بعدما أشارت العديد من وسائل الإعلام إلى لقاء كوشنر بقيادات من حركة حماس خلال زيارته لمصر، وتأكيده إصرار الرئيس الأمريكي ترامب وعزمه المضى قدمًا في تطبيق بنود اتفاق غزة للسلام. لذلك تهدف جولة كوشنر إلى إيجاد صيغة تسمح بالانتقال إلى المرحلة التالية من خطة ترامب، ومنها نزع سلاح حماس والفصائل الأخرى، ونقل الإدارة المدنية والأمنية إلى حكومة فلسطينية من التكنوقراط، بالتزامن مع انسحاب إسرائيلي تدريجي ودخول قوة دولية للمساعدة في تثبيت الأمن. غير أن التحدي الذي يواجه تلك المرحلة يرتبط بمُتغيّريْن رئيسييْن؛ الأول: وهو موقف حماس التي وافقت على الخطة، لكنها ربطت التنفيذ بقيام إسرائيل بالوفاء بالتزاماتها، وفي مقدمتها وقف الهجمات على قطاع غزة، بعد أن تزايدت وتيرته في الآونة الأخيرة. أما المتغير الثاني، فهو موقف نتنياهو الذي أعلن أنه لن ينسحب إلا باكتمال نزع سلاح حماس، رافضًا الصيغة العملية والمتدرجة التي تطرحها واشنطن، وهو الأمر الذي جعل موقع "أكسيوس" يتبنى أن الخلاف العلني لا يعكس كل ما يجري خلف الأبواب المغلقة. فقد وعد نتنياهو كوشنر، في اتصال سابق، بمنح الخطة فرصة، والحد من الضربات على غزة؛ لتهيئة الظروف لعملية نزع السلاح. ومنذ ذلك الحين، تراجعت وتيرة الغارات، وانسحب الجيش إلى الخط الأصفر المنصوص عليه في التفاهمات، وهو ما جعل الإدارة الأمريكية تنظر إلى رفض نتنياهو العلني بوصفه خطابًا انتخابيًا أكثر منه قرارًا نهائيًا بإسقاط الخطة.

ختامًا، تحمل جولة كوشنر الشرق أوسطية العديد من الرسائل للقوى الإقليمية في الشرق الأوسط، وتقوم على إصرار ترامب على تنفيذ المرحلة الثانية من اتفاق غزة، الذي تم توقيعه خلال قمة شرم الشيخ للسلام في أكتوبر 2025، وتمايُز الموقف الأمريكي عن الإسرائيلي بشأن ملفات الإقليم، بعد أن أدرك ترامب جنوح رؤية نتنياهو لشرق أوسط جديد غير مستقر ومُهدِد للمصالح الأمريكية، وهو ما تجلى في انخراط الولايات المتحدة في مواجهات الإقليم العسكرية، وما تبعه من تهديدات لاستقرار الإقليم وأمن الطاقة العالمي، لتبقى الرسائل الأهم للجولة، وهي محورية الدور المصري لاستقرار الإقليم.