تكشف قرارات المرشد الإيراني مجتبى خامنئي في 9 و10 أغسطس 2026، بشأن إعادة تشكيل القيادة العسكرية بتكليفات ومهام جديدة، جنبًا إلى جنب مع اختيار محسن رضائي ممثلًا له في المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني في قيادة الأزمة الراهنة مع الجانب الأمريكي، أن طهران تعيد هيكلة استراتيجيتها لإدارة صراع إقليمي ممتد لضمان التكيف العسكري مع مجريات الموقف الأمريكي، رغم التكاليف المرتفعة للصراع من ارتفاع التضخم والعجز المتزايد في إمدادات البنزين والوقود.
وتزامنت التغيرات مع تصريحات متضاربة من الطرفين، تضمنت خطابًا أمريكيًا متفائلًا أكد تقدم المحادثات، وأنباء إعلامية عن قناة سرية للتواصل بين واشنطن والحرس الثوري، مقابل تشكيك إيراني في وجود تفاوض مباشر، الذي يقتصر على تبادل للرسائل مع باكستان وقطر، وتمسك بإغلاق مضيق هرمز حتى العودة لمذكرة التفاهم وإنهاء الحصار البحري الأمريكي، وهو ما صاحبته أنباء عن دراسة الإدارة الأمريكية خيار استخدام أسلحة نووية تكتيكية ضد المواقع النووية العميقة على غرار موقع جبل الفأس.
وتأسيسًا على ما سبق؛ يتناول التحليل التالي حدود تأثير التعيينات الجديدة للمؤسسات الأمنية والعسكرية في إيران على مسار الصراع مع الولايات المتحدة.
آفاق التغيير
بقدر ما تكشف التغييرات الجديدة هيمنة القيادة التاريخية للحرس الثوري على مفاصل القرار الاستراتيجي، تعزز قرارات مجتبى خامنئي من تحول محتمل في الموقف التفاوضي الإيراني، انطلاقًا من حضور أكبر للمرشد الجديد في إدارة الصراع، الذي أبان سابقًا عن رفضه لمذكرة التفاوض والوثوق في الولايات المتحدة التي دعمها وتحمل مسؤوليتها الرئيس مسعود بزشكيان.
(*) دائرة مقربة: تمثل عودة محسن رضائي لصدارة المشهد السياسي منذ اختيار مجتبى خامنئي لخلافة والده المرشد السابق علي خامنئي تأكيدًا على رغبة مجتبى في الانتقال من مرحلة استكشاف المسار التفاوضي إلى إدارة صراع ممتد دون أفق زمني واضح لنهايته؛ فرضائي، الذي كان أحد أطول القادة العسكريين بقاءً في قيادة الحرس الثوري، خلال الفترة من 1981 إلى 1997، التي شملت فترة الحرب الإيرانية العراقية، طبع أول قرار في مسيرة المرشد الجديد حين اختاره في 16 مارس 2026 مستشارًا عسكريًا.
وجاءت معظم التعيينات اللاحقة لترسيم الواقع الذي فرضه اغتيال قادة الصف الأول، حيث جاء علي عبداللهي رئيسًا لهيئة الأركان العامة، مع تعيين كيومرث حيدري نائبًا له. وجاء أحمد وحيدي، الذي تولى منصب قائد الحرس الثوري خلفًا لمحمد باكبور الذي اغتيل في اليوم الأول للصراع، بعدما عينه المرشد الراحل في نوفمبر 2025 نائبًا لقائد الحرس الثوري، قبل أن يصدر المرشد الحالي قرارًا بترقيته إلى رتبة لواء، مع الإبقاء عليه في قيادة الحرس واختيار مصطفى إيزدي نائبًا له، وتكليف علي عظمائي، الذي شغل قيادة المنطقة الخامسة في بحرية الحرس الثوري المسؤولة عن نطاق مضيق هرمز، قائدًا لبحرية الحرس. كما اختير حسين طائب، المقرب من المرشد، الذي التحق معه بكتيبة حبيب التابعة للفرقة 27 بالحرس الثوري، رئيسًا لمنظمة الباسيج، وهو المنصب الذي شغله خلال رئاسة أحمدي نجاد، قبل أن يشغل رئاسة استخبارات الحرس الثوري في الفترة من 2009 إلى 2022.
وتشير العديد من التحليلات إلى دور بارز لكل من أحمد وحيدي وحسين طائب في الدفع بمجتبى خامنئي لخلافة والده، كما شغل وحيدي قيادة فيلق القدس تحت قيادة محسن رضائي كقائد عام للحرس الثوري، وهما متهمان بالضلوع في تفجيرات بوينس آيرس، التي استهدفت السفارة الإسرائيلية في 1992 ومركز الجالية الإسرائيلية في 1994.
(*) إعادة هيكلة المؤسسة العسكرية: ترافق الإعلان الرمزي عن توحيد القرار الاستراتيجي والعسكري بقيادة المرشد مجتبى خامنئي مع تكليفات لقادة المؤسسة بـ"توحيد القرار العسكري" عبر استكمال دمج هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة ومقر عمليات "خاتم الأنبياء"، وتضمنت التكليفات تعزيز التنسيق والتعاون بين مختلف مستويات القيادة العسكرية والاستخباراتية، وإعطاء القادة الجدد تكليفات بتعزيز المعايير العلمية واكتساب "المهارات الحديثة على مختلف المستويات التنظيمية". وتهدف التكليفات لتعزيز سرعة الاستجابة والرد السريع على التهديدات العسكرية وتحقيق أقصى درجات الردع و"الجاهزية الذكية" وصولًا لـ"تنفيذ عمليات هجومية قوية ضد العدو"، وفق بيانات المرشد الإيراني.
(*) ضبط الشارع وتعزيز الاستخبارات البشرية: كشفت حربا 2025 و2026 وما سبقها من اغتيالات استهدفت القيادة العسكرية والعلماء النوويين وسرقة الأرشيف النووي عن قصور استخباراتي عميق واستغلال إسرائيل لحالة السخط الشعبي جراء الأوضاع الاقتصادية المتردية في توسيع قاعدة تجنيد العملاء بالداخل الإيراني، وهو فراغ سعت القيادة الحالية لمعالجته بتعيين حسين طائب في قيادة منظمة "تعبئة المستضعفين" (الباسيج)، من خلال تعزيز شبكة الاستخبارات البشرية، إلى جانب استغلال التقنيات الحديثة في ضبط الشارع وقمع أي محاولة للانقلاب على نظام الجمهورية الإسلامية، ونشر "ثقافة التعبئة والمقاومة" وتوسيع نطاقها داخليًا وتعزيز انتشارها في مواجهة الولايات المتحدة وإسرائيل حول العالم.
تحولات محتملة
تظهر تغييرات القيادة العسكرية عدة معطيات حول صناعة القرار الاستراتيجي الإيراني؛ أولها: أن تجاذبات التيارين المتشدد والإصلاحي عززت الحاجة لوحدة القرار السياسي والأمني والعسكري في يد المرشد ودائرته المقربة بصفة عامة، وبقيادة عسكرية موحدة بصفة خاصة، وثانيها: أن القيادة تتخوف من انهيار معادلة الداخل على وقع الاختراقات الأمنية الواسعة، التي كشفها طول المدى الزمني لاستهداف العقول العسكرية والنووية من قبل إسرائيل، فضلًا عن تدهور الأوضاع الاقتصادية، وبالتالي تلجأ لقيادات تاريخية في صفوف الحرس الثوري من أجل استنهاض نظام الثورة في عنفوانه الأول في الحشد والتعبئة لتحصين الداخل ومواجهة أي تهديد بالخارج، وثالثها: أنه لا مدى زمني محدد لطول المعركة المقبلة، التي قد تكون مصيرية وحاسمة، إما بإزالة التهديد الأمريكي بصورة هيكلية أو العودة لمربع التصعيد الأول بتهديد بقاء النظام ونشر الفوضى داخل البلاد، ما يدفع لبناء سردية متكاملة لصراع إيراني أمريكي ممتد يستهدف رفع التكلفة على الجانب الأمريكي وتعزيز استهداف قواعده وأصوله العسكرية خارج نطاق الشرق الأوسط وخنق إمدادات الطاقة العالمية ما لم تحتوِ النفط والغاز الإيرانيين، بالتوازي مع تلميحات من دوائر أمريكية باللجوء إلى الخيار النووي التكتيكي لحلحلة الملف النووي وقصف منشأة جبل الفأس التي تقع على أعماق تصل إلى 100 متر تحت الجبل.
وإجمالًا؛ تظهر التعيينات الأخيرة استعداد طهران لتصعيد عسكري قد يكون وشيكًا، رغم استمرار تبادل الرسائل مع الولايات المتحدة عبر الوسطاء، إذ تدرس تغيير استراتيجيتها من الدفاع إلى التصعيد الهجومي وضرب قواعد ومواقع يستخدمها الجيش الأمريكي في جنوب شرق أوروبا، وقد تمتد تلك المواجهة من المنظور الإيراني لاستهداف الداخل الأمريكي بصورة غير مباشرة عبر استهداف جنوب أمريكيين بمناطق انتشارهم في الشرق الأوسط وأوروبا، أو بصورة مباشرة عبر استهداف منشآت حيوية في الداخل الأمريكي. وعلى الجانب الآخر، لا تبدو تلك الاستراتيجية مأمونة العواقب في ظل استمرار اللغط حول قيادة وزارة الاستخبارات وجهاز استخبارات الحرس الثوري، بجانب تأثير الحصار الأمريكي على إمدادات البنزين المستورد، فضلًا عن بلوغ مستوى تضخم أسعار الغذاء 128%.