على الرغم من انتشار الطائرات الزراعية المسيّرة في أنحاء العالم منذ العقد الثاني من الألفية، فإن استخدامها في الزراعة الأوروبية لا يزال مقيدًا، ولا سيما في مجال رش المبيدات، بسبب القواعد الأوروبية التي تضع قيودًا صارمة على الرش الجوي.
ويخضع استخدام الطائرات الزراعية المسيّرة في الاتحاد الأوروبي، إلى جانب قواعد الطيران المطبقة على الطائرات الأخرى، لقواعد استخدام المبيدات، وفي مقدمتها التوجيه الأوروبي رقم 2009/128/EC بشأن الاستخدام المستدام للمبيدات، الذي يحظر الرش الجوي كقاعدة عامة، مع السماح باستثناءات في حالات خاصة وبشروط محددة، وفقًا لمجلة "بوليتيكو".
قيود على رش المبيدات
وتهدف القواعد الأوروبية إلى الحد من انجراف رذاذ المبيدات والتلوث البيئي ومخاطر تعرض الإنسان لهذه المواد، وهي قواعد وُضعت في الأساس قبل الانتشار الواسع للطائرات الزراعية المسيّرة، لكنها أصبحت تشملها قانونيًا باعتبار أن رش المبيدات بواسطة الطائرات المسيّرة يُعد "رشًا جويًا" وفق التعريف الأوروبي.
وبموجب هذه القواعد، يُحظر الرش الجوي للمبيدات بصورة عامة، لكن يمكن للدول الأعضاء السماح به في حالات استثنائية، عندما لا توجد بدائل قابلة للتطبيق، أو عندما يحقق الرش الجوي مزايا واضحة من حيث تقليل المخاطر على صحة الإنسان والبيئة مقارنة بالطرق الأرضية.
كما يشترط أن تكون المبيدات المستخدمة معتمدة صراحةً للرش الجوي، وأن يستوفي المشغل والجهة المنفذة متطلبات الاعتماد، مع استخدام أفضل التقنيات المتاحة للحد من انجراف الرذاذ.
وتشمل الحالات التي قد تبرر الاستثناء بعض المناطق التي يصعب فيها استخدام المعدات الأرضية، مثل الأراضي شديدة الانحدار أو الظروف التي لا تتيح للآلات الزراعية التقليدية العمل بكفاءة.
أوروبا متأخرة
ويرى مفوض الزراعة الأوروبي كريستوف هانسن أن أوروبا تمتلك المواهب والتكنولوجيا اللازمة للريادة في مجال الزراعة الرقمية، لكنها تحتاج إلى ضمان استفادة المزارعين من هذه التقنيات.
وتتجاوز استخدامات الطائرات المسيّرة في الزراعة عملية رش المبيدات، إذ يمكن استخدامها لمسح الحقول، ورصد الآفات ونقص المياه في مراحل مبكرة، وتحديد المناطق التي تحتاج إلى تدخل، بما يتيح استخدام الأسمدة ومواد مكافحة الآفات بصورة أكثر دقة.
كما يمكن لهذه التقنيات أن تسهم في خفض كميات المواد الكيميائية المستخدمة وتقليل التكاليف والآثار البيئية، من خلال استهداف المناطق المتضررة بدلًا من معالجة الحقول بأكملها.
تخفيف القيود
وفي السنوات الأخيرة، تصاعدت الدعوات الأوروبية إلى تحديث القواعد المنظمة لاستخدام الطائرات المسيّرة في الزراعة، خصوصًا مع تطور تقنيات الزراعة الدقيقة وقدرتها على تقليل كميات المواد المستخدمة وتحسين دقة الرش.
وكانت مقترحات أوروبية سابقة قد سعت إلى وضع إطار يسمح باستخدام الطائرات المسيّرة في رش منتجات حماية النباتات، شريطة إثبات أن المخاطر الناجمة عن استخدامها لا تتجاوز مخاطر معدات الرش التقليدية. غير أن المقترح الأوروبي الخاص بالاستخدام المستدام لمنتجات حماية النباتات سُحب في عام 2024 بعد الجدل الذي أثاره.
ومع ذلك، لم يُغلق الباب أمام استخدام المسيّرات؛ إذ أكدت المفوضية الأوروبية في أكتوبر 2025 أن التوجيه الحالي يسمح للدول الأعضاء، بموجب استثناءات محددة، بالتصريح بالرش الجوي باستخدام الطائرات المسيّرة، مشيرةً إلى أن عددًا من الدول الأعضاء أصدر بالفعل مثل هذه التصاريح.
كما أعلنت المفوضية أنها ستبحث مع الدول الأعضاء سبل تبسيط الإجراءات المتعلقة بهذه الاستثناءات، ولا سيما بالنسبة إلى الطائرات المسيّرة.
استراتيجية الزراعة الرقمية
وتسعى المفوضية الأوروبية إلى تعزيز التحول الرقمي في القطاع الزراعي، بما يشمل استخدام الذكاء الاصطناعي والأقمار الصناعية والطائرات المسيّرة وتقنيات الزراعة الدقيقة، بهدف زيادة الإنتاجية، وتحسين كفاءة استخدام الموارد، وتقليل الآثار البيئية.
وفي هذا السياق، يمثل استخدام المسيّرات أحد أبرز مجالات التطور التكنولوجي في الزراعة الأوروبية، لكن توسيع استخدامها في رش المبيدات يظل مرتبطًا بإثبات قدرتها على تحقيق مستوى من السلامة لا يقل عن طرق الرش الأرضية التقليدية.
وبذلك، لا تواجه الطائرات الزراعية المسيّرة في أوروبا حظرًا مطلقًا، وإنما تعمل داخل إطار تنظيمي يعتبر الرش الجوي محظورًا كقاعدة عامة، مع إمكانية الحصول على استثناءات في ظروف محددة.
وهو ما يجعل التحدي الأوروبي الحالي يتمثل في تطوير القواعد بما يواكب التقدم التكنولوجي، من دون التراجع عن متطلبات حماية صحة الإنسان والبيئة.