أعادت موجة الحر والجفاف التي تشهدها العاصمة البريطانية لندن إلى الأذهان واحدة من أشهر الأزمات البيئية والصحية في تاريخ المدينة، بعدما انتشرت روائح كريهة من شبكات الصرف الصحي، وسط تحذيرات خبراء من أن الظاهرة تكشف حدود نظام قديم لم يعد ملائمًا لتغيرات المناخ.
وتشهد لندن خلال صيف 2026 فترات طويلة من الطقس الحار والجاف، مع درجات حرارة تجاوزت 30 درجة مئوية وانخفاض كبير في معدلات هطول الأمطار، ما أدى إلى تراكم مياه الصرف والمواد العضوية داخل الأنابيب، وظهور روائح نفاذة في مناطق مختلفة من العاصمة، وفقًا لصحيفة "ذا جارديان" البريطانية.
رائحة تعيد ذكريات 1858
وتعيد الظاهرة إلى الواجهة "الرائحة الكبرى" التي ضربت لندن عام 1858، عندما أدى ارتفاع درجات الحرارة وانخفاض منسوب المياه إلى انتشار روائح شديدة السوء من نهر التايمز ومخلفات الصرف، الأمر الذي دفع السلطات إلى اتخاذ إجراءات واسعة لتطوير منظومة الصرف الصحي.
ويرى خبراء أن ما يحدث هذا الصيف قد يمثل إنذارًا مشابهًا، وإن كان على نطاق مختلف، بشأن حاجة بريطانيا إلى إعادة النظر في البنية التحتية لشبكات الصرف.
وقال سايمون بيركيت، مؤسس ومدير منظمة "الهواء النظيف في لندن"، إن الرائحة الكريهة أصبحت ملحوظة منذ أسابيع، خصوصًا بالقرب من مصارف مياه الأمطار، معتبرًا أنها واحدة من أبرز سمات صيف 2026.
تغيير عمل الشبكة
وتفسر البروفيسورة باربرا إيفانز، المتخصصة في هندسة الصحة العامة بجامعة ليدز، الظاهرة بأن شبكة الصرف الصحي تعمل بطريقة تشبه "أمعاء عملاقة"، إذ تعتمد على تدفق المياه لنقل المواد العضوية إلى محطات المعالجة.
وفي الظروف الطبيعية، تساعد الأمطار والمياه الجارية على دفع مخلفات الصرف عبر الأنابيب إلى محطات المعالجة، حيث تتحلل المواد العضوية بطريقة منظمة.
لكن خلال فترات الجفاف، تبقى مياه الصرف والمواد العضوية داخل الأنابيب لفترات أطول، ما يسمح للكائنات الدقيقة بتحليلها داخل شبكة الصرف نفسها، بدلًا من محطات المعالجة.
وتؤدي درجات الحرارة المرتفعة إلى تسريع هذا النشاط الميكروبي، ما يزيد من انبعاث الغازات ذات الروائح الكريهة، وتشمل هذه الغازات الميثان وكميات من كبريتيد الهيدروجين، المسؤول عن الرائحة الشبيهة بالبيض الفاسد، إضافة إلى أكسيد النيتروز.
نظام قديم
ويرى الخبراء أن الروائح ليست المشكلة الوحيدة التي تكشفها الظروف المناخية الحالية، إذ إن نظام الصرف ذاته يواجه ضغوطًا متزايدة بسبب التغيرات المناخية.
ففي حين يؤدي الجفاف إلى بقاء مياه الصرف داخل الأنابيب وتفاقم الروائح، يمكن أن تؤدي الأمطار الغزيرة إلى تجاوز قدرة الشبكة، ما يسهم في تسرب مياه الصرف غير المعالجة إلى الأنهار والبحار.
وتقول إيفانز إن "الجمع بين الروائح وانتشار المخاوف بشأن تسرب مياه الصرف يشير إلى أن منظومة معالجة مياه الصرف قديمة في مواجهة واقع مناخي جديد يجمع بين فترات أكثر حرارة وجفافًا، وأخرى أكثر رطوبة وغزارة في الأمطار".
دعوات لإصلاح شامل
وتأمل إيفانز أن تدفع أزمة الروائح الحالية إلى نقاش وطني حول إعادة بناء نظام الصرف الصحي، مقترحة فصل المياه الرمادية الناتجة عن الأحواض والاستحمام عن المياه السوداء القادمة من المراحيض.
وتُطبق أنظمة مماثلة في بعض الدول الأوروبية، ومنها السويد وألمانيا، بهدف إعادة استخدام المياه وتقليل الضغط على شبكات الصرف، فضلًا عن الحد من دخول مياه الأمطار إلى الأنابيب.
ومع عودة الأمطار، يُتوقع أن تتراجع الروائح تدريجيًا مع تحرك مياه الصرف نحو محطات المعالجة، فيما قد تحمل أمطار الصيف رائحة مختلفة تمامًا، هي رائحة الأرض بعد المطر، الناتجة أيضًا عن نشاط الكائنات الدقيقة في التربة.