وصل نسيج بايو الشهير، الذي يوثق غزو النورمان لإنجلترا، إلى بريطانيا بعد عملية نقل دقيقة ومعقدة، إلا أن التحدي الأصعب قد يكون في طريق العودة إلى فرنسا، إذ يتعين على فرق من المهندسين وخبراء الترميم ابتكار طريقة آمنة لإعادة قطعة النسيج التاريخية إلى وضع يسمح بنقلها، من دون تعريضها للتلف.
ويُعرض النسيج، الذي يبلغ طوله نحو 70 مترًا ويعود تاريخه إلى ما يقارب ألف عام، في قاعة "ساينسبري" بالمتحف البريطاني، في إطار معرض يفتح أبوابه أمام الجمهور في 11 سبتمبر المقبل، على أن يُعاد إلى متحف بايو في فرنسا بحلول سبتمبر 2027، بموجب اتفاق ثلاثي بين بريطانيا وفرنسا والمتحف البريطاني، كما أوضح تقرير خاص عن تلك السجادة نشرته صحيفة "ذا تليجراف البريطانية".
نقل شديد الحساسية
تتمثل المشكلة الأساسية في طبيعة النسيج الهشة، إذ يمكن أن يؤدي أي شد أو التواء، حتى لو كان محدودًا، إلى إلحاق أضرار بالغة بأليافه القديمة.
وقالت سيسيليا جوفان، من شركة "ساينس آند ميكانيكس إن كونسيرفيشن أوف هيريتج"، التي كلفتها فرنسا بتصميم عملية نقل النسيج إلى لندن، إن التعامل المباشر معه يمثل خطرًا أكبر من عملية نقله نفسها، مؤكدة أن الوقت المتبقي أمام الخبراء قصير لإيجاد حل مناسب لعملية الإعادة.
وكان النسيج محفوظًا في متحف بايو معلقًا داخل صندوق عرض طويل يتضمن زاوية قائمة. ولدى التحضير لنقله، ابتكر الخبراء طريقة تسمح بـ"طيه" من دون طي النسيج فعليًا، لتجنب الضغط الذي قد ينشأ عند نقاط الطي.
طريقة مبتكرة
جرى ثني النسيج تدريجيًا حول أنابيب خاصة كل مترين تقريبًا، بحيث اتخذ شكلًا متعرجًا، ووُضعت بين الأجزاء المنحنية شاشات قماشية تعمل كوسائد واقية. واستغرق تنفيذ العملية، التي تضمنت 27 انحناءً، نحو سبع ساعات، مع مراقبة مستويات الضغط على النسيج عند كل مرحلة.
بعد ذلك، وُضع نظام الحماية داخل صندوق متخصص، بحيث تستند الأجزاء المطوية إلى الوسائد الواقية بدلًا من تعليق وزنها على النسيج نفسه. ونُقل الصندوق داخل مركبة مزودة بنظام للتحكم في المناخ ومثبتة داخل هيكل مقاوم للصدمات، وسط إجراءات أمنية مشددة.
لكن هذه الطريقة صُممت عندما كان النسيج معلقًا رأسيًا، وهو ما يجعل تكرارها في لندن أمرًا بالغ الصعوبة.
معضلة العودة
عند وصول النسيج إلى المتحف البريطاني، أمضى خبراء الترميم نحو 20 ساعة في فرده ووضعه بشكل مسطح، بناءً على رغبة السلطات الفرنسية، باعتبار أن هذا الوضع يقلل الضغط على أليافه.
إلا أن إعادة طيه وهو ممدد أفقيًا ستتطلب إدخال شاشات الحماية أسفله، ثم سحب أجزاء النسيج إلى الداخل، وتغطية كل جزء قبل تكديس الأجزاء فوق بعضها، ما قد يسبب احتكاكًا وضغطًا غير مقبولين.
وترى جوفان أن الحل قد يتطلب إعادة النسيج إلى وضعه الرأسي أولًا، وهي عملية قد تحتاج إلى نحو 80 خبيرًا لرفعه يدويًا وربطه بنظام تعليق. كما يدرس الخبراء إمكانية استخدام نظام من البكرات والمعدات المتخصصة لتقليل مخاطر الخطأ البشري.
سباق مع الزمن
وتعتزم الحكومة الفرنسية استثمار مئات آلاف اليوروهات في أبحاث تستمر أشهرًا للتوصل إلى طريقة آمنة لإعادة النسيج إلى صندوقه ونقله إلى فرنسا.
وفي الوقت الراهن، يركز المتحف البريطاني على حماية النسيج وتنظيم حركة الزوار، مع تحديد فترات زمنية مدتها 40 دقيقة للسماح للجمهور بالمرور أمامه بصورة منظمة.
يعود النسيج إلى القرن الحادي عشر، وقد كلف به الأسقف أودو، الأخ غير الشقيق لوليام الفاتح، لتخليد انتصار النورمان في غزو إنجلترا، ليصبح اليوم أحد أبرز الشواهد البصرية على تاريخ أوروبا في العصور الوسطى.