حذرت الحكومة الفرنسية من تأجيل القرارات الصعبة المتعلقة بخفض الإنفاق العام إلى ما بعد الانتخابات الرئاسية المقررة العام المقبل، في وقت تواجه فيه البلاد عجزًا ماليًا مرتفعًا وتكاليف متزايدة لخدمة الدين، بينما تسعى حكومة رئيس الوزراء سيباستيان لوكورنو ، إلى تمرير موازنة 2027 وسط انقسامات سياسية وغياب أغلبية برلمانية، بحسب صحيفة "فايننشال تايمز" البريطانية.
وأكد وزير الموازنة الفرنسي دافيد أمييل، أن إصلاح المالية العامة يمثل "الأولوية الأولى"، محذرًا من أن وضع المالية الفرنسية يشبه "برميل بارود"، ودعا القوى السياسية والمرشحين للانتخابات الرئاسية إلى تقديم برامج واقعية وعدم اللجوء إلى وعود إنفاقية بهدف كسب الناخبين، مضيفًا أن على الأحزاب تحمّل مسؤوليتها في خفض العجز قبل انتقال السلطة إلى الرئيس المقبل.
عجز متفاقم
سعت حكومة لوكورنو إلى زيادة الإنفاق الدفاعي وحماية المبادرات البيئية خلال العام المقبل، بالتزامن مع العمل على الحد من نمو الإنفاق على برامج الرعاية الاجتماعية، إلا أن ضعف النمو الاقتصادي وتداعيات الحرب مع إيران وارتفاع الإنفاق العسكري وزيادة مدفوعات فوائد الدين قلّصت قدرة الحكومة على خفض العجز خلال العام الجاري.
وسجل معدل البطالة في فرنسا 8.3% خلال الربع الثاني من العام، وهو أعلى مستوى له منذ نحو ست سنوات، فيما تستهدف الحكومة خفض عجز الموازنة إلى 5% من الناتج المحلي الإجمالي بنهاية العام، مقارنة بـ5.1% في 2025، وهو انخفاض محدود لا يزال يضع فرنسا بعيدًا عن هدف خفض العجز إلى 3% من الناتج بحلول نهاية 2029، بما يتوافق مع قواعد الاتحاد الأوروبي.
وارتفعت تكلفة خدمة الدين العام إلى 34.5 مليار يورو خلال الأشهر الستة الأولى من العام، بزيادة 18.8% مقارنة بالفترة نفسها من 2025، فيما توقع أمييل ارتفاع تكاليف الاقتراض بنحو 11 مليار يورو خلال العام الحالي مقارنة بالعام السابق، وهو ما يعادل تقريبًا موازنة وزارة العدل بأكملها.
الإنفاق الاجتماعي
ربط "أمييل" التدهور المستمر في المالية العامة بارتفاع الإنفاق على الرعاية الصحية ومعاشات التقاعد، مشيرًا إلى أن الإنفاق الاجتماعي يمثل نحو 80% من الزيادة في الإنفاق الحكومي خلال نصف القرن الماضي، فيما تظهر بيانات هيئة الإحصاء الفرنسية أن المعاشات والرعاية الصحية وإعانات البطالة وغيرها من المزايا الاجتماعية تستحوذ على 58% من إجمالي الإنفاق العام.
واقترح الوزير تجميد الزيادات المرتبطة بالتضخم في معاشات التقاعد وبعض المزايا الاجتماعية، معتبرًا أن هذه الخطوة يمكن أن توفر مليارات اليورو للخزانة، بعدما ارتفع الإنفاق على المعاشات المعدل وفق التضخم بنسبة 2.2% في 2025، ما أضاف نحو 6 مليارات يورو إلى الموازنة، قبل أن يتباطأ النمو إلى 0.9% في 2026، بما يعادل 2.7 مليار يورو إضافية.
وواجهت محاولات سابقة لتجميد هذه الزيادات اعتراضات سياسية وشعبية واسعة، فيما أعلنت الحكومة في يوليو الماضي عزمها رفع الحد الأقصى السنوي للنفقات التي يتحملها المواطنون مقابل الأدوية وزيارات الأطباء من 50 إلى 100 يورو، ما يرفع الحد الإجمالي إلى 200 يورو سنويًا.
معركة سياسية
واجهت الحكومة صعوبة في تنفيذ خفض واسع للإنفاق في ظل افتقارها إلى أغلبية برلمانية، واقتراب نهاية ولاية الرئيس إيمانويل ماكرون، خصوصًا أن إصلاح نظام التقاعد يمثل قضية شديدة الحساسية سياسيًا، كما أسهمت الخلافات حول الموازنات في سقوط حكومات فرنسية خلال عامي 2024 و2025.
واحتاجت حكومة لوكورنو إلى دعم الاشتراكيين لتمرير الموازنة، فيما يُرجح أن تعارض القوى اليسارية أي خفض للإنفاق الاجتماعي، بعدما اضطرت الحكومة العام الماضي إلى التخلي عن زيادة سن التقاعد إلى 64 عامًا لمدة عامين، في مقابل تأمين الدعم اللازم لتمرير الموازنة.
وأكد "أمييل" أن الحكومة لا تريد ترك القرارات الصعبة للرئيس المقبل، قائلًا إن باريس تفضل خفض الإنفاق حاليًا، حتى يتمكن الرئيس الجديد من إلغاء هذه الإجراءات إذا أراد ذلك، بدلًا من نقل الأزمة المالية إليه دون حلول.
ضغط الأسواق
زاد المستثمرون الضغوط على فرنسا بسبب المخاوف المتعلقة بقدرتها على تنفيذ إصلاحات مالية مستدامة، حيث يطالب حاملو السندات بعلاوة على الديون الفرنسية مقارنة بدول أوروبية أخرى، حتى بالمقارنة مع اليونان التي كانت تواجه سابقًا أوضاعًا مالية أكثر صعوبة.
وسجل الفارق بين عائد السندات الفرنسية والألمانية لأجل 10 سنوات نحو 80 نقطة أساس مؤخرًا، وهو أعلى مستوى منذ الخريف الماضي خلال المواجهة السابقة بشأن الموازنة، في مؤشر على تزايد قلق الأسواق من المسار المالي لثاني أكبر اقتصاد في منطقة اليورو.
ارتفع الدين العام الفرنسي بأكثر من تريليون يورو خلال نحو عقد من حكم ماكرون، فيما صعدت نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي إلى 117%، مقارنة بـ98% في 2017، بعدما استخدمت حكوماته الإنفاق العام لدعم الأسر والشركات خلال أزمات متتالية، من بينها جائحة كورونا وأزمة الطاقة في 2022.
وسعت الحكومات الفرنسية لاحقًا إلى تقليص برامج الدعم التي أُقرت خلال تلك الأزمات، إلا أن تخفيضات ضريبية غير ممولة ساهمت أيضًا في زيادة الضغوط على المالية العامة، ما جعل خفض العجز أكثر صعوبة مع اقتراب الانتخابات الرئاسية.
سباق الرئاسة
دخل المرشحون المحتملون للانتخابات الرئاسية مرحلة مبكرة من السباق دون تقديم خطط تفصيلية لمعالجة أزمة الدين والعجز، فيما ركّز رئيس الوزراء السابق إدوار فيليب على ضرورة تقديم تضحيات لحماية الأجيال المقبلة من أعباء الدين العام، بينما دعت زعيمة اليمين المتطرف مارين لوبان، إلى خفض مساهمة فرنسا في موازنة الاتحاد الأوروبي وتشديد القيود على الهجرة.
ورفض زعيم اليسار الراديكالي جان لوك ميلانشون، اعتبار الدين العام مشكلة رئيسية، داعيًا بدلًا من ذلك إلى فرض ضريبة جديدة على الثروة وزيادة الضرائب على الشركات، في وقت يرى فيه أمييل أن الانتخابات المقبلة ستكون ساحة للصراعات السياسية والأيديولوجية الكبرى، بينما يتعين على الأحزاب في الوقت الراهن التحرك بصورة مسؤولة لخفض العجز ومنح الرئيس والبرلمان المقبلين أكبر قدر ممكن من هامش المناورة.