اشتدت حرائق الغابات في فرنسا وإسبانيا، مع استمرار فرق الطوارئ في مكافحة ألسنة اللهب التي اجتاحت مساحات واسعة، وسط تحذيرات من أن الظروف الجوية الحارة والجافة قد تزيد من صعوبة السيطرة عليها خلال الأيام المقبلة، بينما دفعت الحرائق عشرات الآلاف إلى مغادرة منازلهم، وأثارت مخاوف متزايدة بشأن تلوث الهواء والمخاطر التي تواجه فرق الإطفاء في المناطق المتضررة.
وأعلن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، أن بلاده تواجه "أشد" وضع منذ الحرب العالمية الثانية، في وقت واصلت فيه السلطات جهودها لاحتواء الحرائق في منطقة جيروند جنوب غربي البلاد، بينما سجلت إسبانيا عمليات إجلاء واسعة بسبب النيران التي اندلعت في مناطق عدة، بحسب شبكة "سي إن إن" الأمريكية.
حرائق مستعرة
استقرت الحرائق في منطقة جيروند الفرنسية خلال الليل، وفق السلطات المحلية، التي أكدت السيطرة على عدة بؤر اشتعال قرب منطقتي لو بورج وكاب فيريه، فيما ظلت المساحة المحترقة عند نحو 42 ألف هكتار، واستأنفت فرق الإطفاء والمهندسون العسكريون العمل على إنشاء ممرات عازلة للنيران؛ بهدف الحد من انتشارها.
وأوضحت السلطات أن فرق الطوارئ أنجزت نحو 103 كيلومترات من الممرات العازلة، وهي مساحات يجري فيها إزالة الغطاء النباتي لوقف تقدم النيران، بينما أُصيب أكثر من 90 من رجال الإطفاء في جيروند خلال عمليات مكافحة الحرائق، في وقت تواصلت فيه جهود السيطرة على بؤر الاشتعال المتفرقة.
وحذرت هيئة الأرصاد الجوية الفرنسية من استمرار الظروف المناخية الصعبة في منطقتي جيروند ولاند، مع توقعات بارتفاع درجات الحرارة إلى ما بين 33 و35 درجة مئوية في جيروند، ونحو 37 درجة في المناطق الداخلية من لاند، دون توقعات بهطول الأمطار، ما قد يزيد من صعوبة احتواء الحرائق.
إجلاء جماعي
وفي إسبانيا، أجبرت حرائق الغابات ما لا يقل عن 63 ألفًا و152 شخصًا على إخلاء منازلهم في مناطق مدريد وتوليدو وأفيلا وسط البلاد، بحسب وزارة الداخلية، التي أعلنت أيضًا تعليق أعمال الحصاد باستخدام الآلات الزراعية في المناطق الثلاث مؤقتًا؛ بسبب مخاطر الحرائق.
وأفادت السلطات بأن حريقًا في إقليم أفيلا التهم أكثر من 50 ألف هكتار، ليصبح الأكبر في تاريخ إسبانيا، وفق وزيرة التحول البيئي سارا أجيسن، بينما تجاوز عدد الذين تم إجلاؤهم في الإقليم وحده 25 ألف شخص، وصدرت أوامر لأكثر من 8700 آخرين بالبقاء داخل منازلهم.
وأكد رئيس الوزراء الإسباني أن الحرائق تمثل "التعبير الأكثر إيلامًا عن حالة الطوارئ المناخية"، في وقت تواجه فيه فرق الإطفاء ظروفا بالغة الصعوبة بسبب ارتفاع درجات الحرارة والجفاف، بينما استمرت الطائرات والمروحيات في إسقاط المياه ومواد إخماد الحرائق على المناطق المشتعلة.
مخاطر إضافية
وتعرضت جهود مكافحة الحرائق في شرق إسبانيا لمخاطر إضافية؛ بسبب وجود ذخائر غير منفجرة تعود إلى الحرب الأهلية الإسبانية التي اندلعت قبل نحو قرن، إذ تواجه فرق الإطفاء في منطقة فال دو أويو بمقاطعة كاستيون، مخاطر مرتبطة بالذخائر المدفونة في المناطق الجبلية.
وقالت السلطات إن المنطقة كانت جزءًا من خط "إكس واي زد" الدفاعي الذي أنشأته القوات الجمهورية عام 1938 لمواجهة قوات الجنرال فرانسيسكو فرانكو، وشهدت في ذلك الوقت هجمات جوية ومعارك عنيفة، ما أدى إلى بقاء ذخائر في مناطق واسعة، وأصبحت تلك المخلفات تشكّل خطرًا إضافيًا مع ارتفاع درجات الحرارة واندلاع الحرائق.
وحذرت السلطات من أن الذخائر غير المنفجرة قد تكون شديدة الحساسية للحرارة، ويمكن أن تنفجر بشكل مفاجئ عند تعرضها للنيران أو درجات الحرارة المرتفعة، ما يفرض على فرق الإطفاء التعامل بحذر أثناء عمليات مكافحة الحرائق في المناطق المتضررة.
تلوث خطير
وتزامنت الحرائق مع تدهور جودة الهواء في مناطق واسعة من فرنسا وإسبانيا، إذ ارتفعت مستويات التلوث في مدينة بوردو الفرنسية إلى معدلات تجاوزت الحدود الآمنة التي حددتها منظمة الصحة العالمية بنحو ستة أضعاف؛ نتيجة الدخان الناجم عن الحرائق المستمرة في جنوب غربي البلاد.
وأوضح ريتشارد بوب، عالم الغلاف الجوي في جامعة ليدز البريطانية، أن تركيزات الجسيمات الدقيقة "بي إم 2.5" في بوردو تجاوزت خلال الأيام الأخيرة 100 ميكروجرام لكل متر مكعب، مقارنة بالحد اليومي الذي حددته منظمة الصحة العالمية عند 15 ميكروجرامًا لكل متر مكعب.
وأضاف أن سكان بوردو واجهوا انتشار الدخان ورائحة الرماد في مناطق مختلفة من المدينة، فيما غادر بعض السكان منازلهم بشكل طوعي رغم عدم صدور أوامر إخلاء للمدينة، بينما تحرك الدخان بعيدًا عن منطقة مدريد الحضرية، ما خفف مخاطر تدهور جودة الهواء هناك مؤقتًا.
وحذر خبراء من أن انتشار الدخان على نطاق واسع في فرنسا وإسبانيا أدى إلى تدهور جودة الهواء وزيادة المخاطر الصحية على ملايين الأشخاص، في وقت تستمر فيه موجة الحر والظروف الجافة في تهديد جهود مكافحة الحرائق، وسط توقعات باستمرار الطقس الحار والجاف في المناطق الأكثر تضررًا خلال الأيام المقبلة.