تواصل حرائق الغابات اجتياح مناطق واسعة في كل من فرنسا وإسبانيا، في واحدة من أعنف موجات حرائق الغابات في تاريخهما الحديث، وسط ظروف مناخية قاسية تتمثل في ارتفاع درجات الحرارة والجفاف والرياح القوية، التي أسهمت في تسارع انتشار النيران واتساع رقعتها.
وأجبرت الحرائق مئات الآلاف من السكان والسياح على إخلاء منازلهم، فيما التهمت عشرات الآلاف من الهكتارات من الغابات والأراضي الزراعية، وأوقعت خسائر بشرية ومادية كبيرة.
وبينما كثفت حكومتا البلدين عمليات الإطفاء والإنقاذ بدعم من القوات المسلحة، يحذِّر المسؤولون من أن احتواء الحرائق سيستغرق وقتًا، في ظل استمرار الأحوال الجوية التي تغذي ألسنة اللهب وتهدد بمزيد من الدمار في البلدين، وفقًا لهيئة البث البريطانية "بي بي سي".
حرائق غير مسبوقة
تواصل حرائق الغابات اجتياح مناطق واسعة من فرنسا، في ظل موجة حر وجفاف ورياح قوية أسهمت في تسارع انتشار النيران، ما دفع السلطات إلى إجلاء نحو 55 ألف شخص إضافي من ست بلدات جنوب مدينة بوردو في إقليم جيروند، مع استمرار عمليات الإطفاء التي تواجه تحديات غير مسبوقة.
وتُعد فرنسا الأكثر تضررًا من حرائق الغابات في أوروبا خلال الأيام الأخيرة، إذ التهمت النيران نحو 42 ألف هكتار، في واحدة من أكبر الكوارث البيئية التي تشهدها البلاد منذ الحرب العالمية الثانية.
وارتفعت المساحات المحترقة منذ بداية العام إلى نحو 98 ألف هكتار، وفق السلطات الفرنسية.
ظروف مناخية معقدة
أوضح الكابتن نيكولا براز، أحد قادة فرق الإطفاء، أن الحرائق باتت تولّد "رياحها الخاصة"، مصحوبة بدوامات هوائية تجعل سلوكها غير متوقع، واصفًا الوضع بأنه "متقلب وخارج عن السيطرة".
وتسهم النباتات الجافة والرياح النشطة في تسريع انتشار ألسنة اللهب، فيما أُغلق نحو 60 كيلومترًا من طريق سريع مؤدي إلى الحدود الإسبانية، حفاظًا على سلامة السكان ومستخدمي الطريق.
وأكد وزير الداخلية الفرنسي لوران نونيز أن السيطرة الكاملة على الحرائق ستستغرق وقتًا طويلًا، مشيرًا إلى أن السكان والسياح الذين أُجبروا على مغادرة مناطقهم لن يتمكنوا من العودة قبل احتواء النيران بشكل كامل.
تعبئة عسكرية
وعززت الحكومة الفرنسية جهود الاستجابة عبر إشراك وحدات من الجيش في عمليات مكافحة الحرائق، حيث تتولى القوات العسكرية إزالة الأحراش وفتح ممرات عازلة للحد من امتداد النيران، إلى جانب دعم فرق الإطفاء المنتشرة في المناطق المتضررة.
وأكد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أن الدولة ستواصل دعم المتضررين، متعهدًا بإعادة إعمار المناطق المنكوبة، ومشددًا على أن "الحكومة ستبقى إلى جانب المواطنين ما دام ذلك ضروريًا".
حرائق إسبانيا
وفي إسبانيا، لا تزال الحرائق تتمدد في عدد من المناطق، خصوصًا محيط العاصمة مدريد وإقليم أفيلا، حيث تجاوز عدد الأشخاص الذين أُجلوا 90 ألفًا، بينما صدرت أوامر بإخلاء ثماني بلديات قرب مدينة توليدو.
وتوقعت السلطات أن تؤدي درجات الحرارة المرتفعة وانخفاض معدلات الرطوبة إلى زيادة خطر انتشار الحرائق، في وقت وصفت فيه رئيسة حكومة إقليم مدريد إيزابيل دياز أيوسو، ما يحدث بأنه "أسوأ حريق في تاريخ المنطقة".
من جهته، أقر رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز بأن "البلاد مقبلة على أوقات معقدة"، في ظل استمرار الحرائق واتساع نطاقها.
دمار واسع
وأعلنت السلطات الإسبانية وفاة رجل في بلدة مانيسيس قرب مدينة فالنسيا، بعدما عُثر عليه داخل سيارة في أحد الأودية، ليكون أحدث ضحايا الحرائق التي تضرب البلاد.
كما أسهمت الرياح الليلية في زيادة سرعة انتشار النيران في كل من فرنسا وإسبانيا، وفق ما أكدته السلطات المحلية، التي أوضحت أن الرياح القوية أججت الحرائق في إقليم جيروند الفرنسي، بعد تحذيرات مماثلة أصدرتها السلطات الإسبانية.
وبلغ إجمالي عدد النازحين في البلدين نحو 300 ألف شخص، فيما وصف سكان قرية ساوموس غربي فرنسا المشهد بأنه "كارثي"، بعد أن دمرت الحرائق أكثر من 100 منزل.
وفي السياق ذاته، أكد رئيس الوزراء الفرنسي سيباستيان لوكورنو أن الحرائق بلغت مستوى غير مسبوق في تاريخ البلاد، في حين امتدت تأثيرات موجة الحر إلى مناطق أخرى في أوروبا، حيث أُعلنت حالة طوارئ كبرى في متنزه كيرنجورمز الوطني بأسكتلندا نتيجة اندلاع حرائق غابات، ما يعكس اتساع رقعة الظاهرة في ظل الظروف المناخية القاسية.