الموقع الرسمي | القاهرة الاخبارية

ساعي البريد.. حارس المسنين في مواجهة الحر القاتل بفرنسا

  • مشاركة :
post-title
ساعية البريد تُوزع الرسائل على صناديق البريد وتَطمئن على المسنين

القاهرة الإخبارية - سامح جريس

لم يَعُد ساعي البريد في فرنسا مجرد موصِّل للرسائل والطرود، فمنذ يونيو الماضي، بات يحمل على عاتقه مهمةً إنسانيةً من طراز مختلف، وهي: الاطمئنان على المسنين المعزولين في خضم موجات الحر المتلاحقة التي أودت بآلاف الأرواح، وفي هذا الصدد، كشفت صحيفة نيويورك تايمز تفاصيل هذه المبادرة الحكومية غير المسبوقة، التي تحوّل فيها رجال البريد الـ65 ألفًا إلى شبكة إنقاذ بشرية تجوب الأحياء والشوارع؛ بحثًا عمّن قد لا يجد سواهم يطرق بابه.

قرار رسمي يُعيد تعريف مهنة البريد

لم تكتفِ الحكومة بالإجراءات التقليدية، حين ضربت موجة حر شديدة فرنسا، في يونيو الماضي، وكسرت أرقامًا قياسية، إذ أصدر رئيس الوزراء سيباستيان لوكورنو توجيهًا عاجلًا لجميع البلديات، يحث فيه ساعي البريد على الاطمئنان على المسنين والمعزولين إلى جانب عملهم المعتاد.

وبرر لوكورنو هذا القرار، وفق ما أوردته نيويورك تايمز، بأن "ساعي البريد كثيرًا ما يكون الشخص الوحيد الذي يحتفظ بتواصل منتظم مع المسنين والأفراد المعزولين في أحيائهم".

وأشار إلى أن المدن الفرنسية تحتفظ بسجلات للسكان الأكثر هشاشة، غير أن هذه القوائم يَصعُب تحديثها باستمرار، ولا تضمن تسجيل جميع من يحتاجون المساعدة.

وهنا تكمن قيمة شبكة البريد الواسعة، والتي تتمثل في الوصول إلى من تغيب أسماؤهم عن رادار السلطات المحلية.

أرقام الموت تكشف حجم الكارثة

تشير الصحيفة إلى أن هذا القرار لم يكن ترفًا إداريًا، بل جاء استجابةً لكارثة صامتة رصدتها هيئة الصحة العامة الفرنسية، إذ أسفرت موجة الحر الأشد وطأة، في يونيو، عن وفاة نحو 6000 شخص، ثلثاهم من الذين تجاوزوا الخامسة والسبعين.

والأكثر إثارةً للقلق أن الوفيات في المنازل شهدت ارتفاعًا حادًا بصورة لافتة، مما يعني أن كثيرين ماتوا وحيدين خلف أبواب موصدة.

وفرنسا في ذلك ليست استثناءً، إذ إن أوروبا هي القارة الأسرع احترارًا والأعلى متوسطًا في أعمار السكان، وقد عانت طوال هذا الصيف من موجات حر متتالية لم تمنح المسنين قسطًا من الراحة.

حكايات الوحدة والخوف

على أرض الواقع، رافقت نيويورك تايمز هارموني سيمون، ساعية البريد في بلدة إيكس-ليه-بان جنوب شرق فرنسا، ذات الـ 41 عام، في جولتها اليومية التي باتت تختلف جذريًا عمّا كانت عليه.

أول محطاتها كانت مارتين كومب، ذات الـ 68 عامًا، المُصابة بالسكري والربو، والتي لجأت إلى تغطية نوافذها بورق ألمنيوم بالٍ؛ لصد أشعة الشمس، في شقة ترتفع حرارتها إلى 36 درجة مئوية لا تبردها نسمة هواء.

بادرتها سيمون بنصيحة عملية، وهي استخدام البطانيات الحرارية الفضية التي يرتديها العداؤون بعد السباقات، مؤكدةً أنها خفضت حرارة شقتها أربع درجات مئوية كاملة.

ثم توجّهت إلى إلفير برتانيولو، ذات الـ95 عامًا، التي لم تغادر شقتها في الطابق الخامس منذ أشهر، ولا يزورها سوى ابنها المُقيم على بُعد مئات الكيلومترات.

وفي آخر محطات سيمون، كانت جيلبيرت ميلانو، ذات الـ88 عامًا، والتي تدير شؤون حياتها بنفسها وتخرج في نزهات صباحية، لكنها تعترف بأن نوبات قلق عميقة تعتريها أحيانًا، وأن زيارات ساعي البريد تُخفّفها، واصفةً إياهم بأنهم "يشبهون المعالجين النفسيين بعض الشيء".

مدينة تشيخ وساعي بريد يملأ الفراغ

تُجسّد مدينة إيكس-ليه-بان النموذج الأكثر حدة لهذه الأزمة، فهي الأسرع شيخوخةً في المنطقة بأسرها، إذ يتجاوز سن الخامسة والسبعين ما لا يقل عن 13% من سكانها البالغ عددهم 30 ألف نسمة، وفق ما أفاد به عمدتها رينو بيريتي لنيويورك تايمز، مؤكدًا أن ذلك يستوجب "يقظة استثنائية".

وقد فتحت البلدية ردهة مركز ثقافي مكيفة، في فترة ما بعد الظهر؛ لاستقبال المسنين، مع توفير مشروبات باردة وألعاب وحفلات موسيقية، لكن ثمّة من لا يستطيع المجيء، وهنا يأتي دور ساعي البريد.

وفي محيط مدينة ليون، يروي فارس سفاري، ذو الـ32 عامًا، كيف أسعف سيدةً كانت على وشك الإغماء من الحر، وبقي بجانبها حتى وصل ابنها، فيما بات يحرص خلال موجات السخونة على أن يتأكد من أن عملاءه يأكلون وينتظمون في شرب الماء.

وفي ظل تراجع البريد الورقي، وسعي مؤسسة "لا بوست" إلى إعادة اختراع نفسها، يبدو أن هذا الدور الإنساني ليس مجرد استجابة طارئة، بل ملامح نموذج جديد يستحق أن تُفكر فيه دول أخرى تواجه التحدي ذاته.