الموقع الرسمي | القاهرة الاخبارية

انعكاسات اقتصادية.. ما تأثيرات حصار الحوثي للبحر الأحمر؟

  • مشاركة :
post-title
توترات مضيق باب المندب- تعبيرية

القاهرة الإخبارية - رضوى محمد

في يوم الاثنين 20 يوليو 2026 أعلنت جماعة الحوثي فرض حصار بحري على الملاحة السعودية، وهو بمثابة تصعيد دراماتيكي خطير للأحداث في منطقة الشرق الأوسط، فاجتماع التوترات في كلٍ من مضيق هرمز وباب المندب يُحدث شللًا في انسياب التجارة الإقليمية والدولية، وهو الأمر الذي تسبب في صدمة كبيرة في معظم الأسواق الاقتصادية.

تأسيسًا على ما سبق، يتطرق هذا التحليل إلى التعرف على التأثيرات المختلفة للحصار في باب المندب، مع وضع تصور لمستقبل الممرات البحرية الاستراتيجية.

تأثيرات اقتصادية

يُمكن الاستدلال على النتائج الاقتصادية التي يُسببها الحصار في باب المندب من خلال النقاط التالية:

الشكل (1): حجم إمدادات النفط ومشتقاته عبر مضيق باب المندب خلال الفترة من 2020 إلى يونيو 2026-المصدر: إدارة معلومات الطاقة الأمريكية

(-) صدمة في إمدادات النفط: يُشير الشكل (1) إلى مدى مساهمة مضيق باب المندب في تجارة النفط ومشتقاته، إذ يوضح أنه مرَّ خلاله 5.7 مليون برميل يوميًا في عام 2020، وارتفع ذلك إلى 8 ملايين برميل يوميًا في عام 2022، ثم إلى 9.3 مليون برميل يوميًا في عام 2023، ولكن هذا التدفق انخفض في عام 2024 والنصف الأول من عام 2025، إلا أنه ارتفع في يونيو 2026 إلى 6.2 مليون برميل يوميًا، وهذا الارتفاع في هذا الشهر يدل على أن مضيق باب المندب كان يُتخذ بديلًا لممرات السفن بعد أن اشتدت التوترات في مضيق هرمز، ولكن بعد ذلك اتجه التصعيد إلى هذا المضيق البحري الهام، فقد زعمت جماعة الحوثي صباح اليوم الخميس استهداف ناقلتي نفط سعوديتين في البحر الأحمر، وهو ما يتسبب في صدمة كبيرة في إمدادات النفط.

(-) ارتفاع مُتزايد في أسعار النفط: مع امتداد التوترات إلى مضيق باب المندب، الذي يمر عبره 13% من شحنات النفط العالمية، فأسعار النفط ستواجه تحركًا جديدًا إلى أعلى، خاصة وأن صادرات إحدى الدول الرئيسية في تجارة النفط العالمية تأثرت وستتأثر بشكل أكبر.

وقد أظهرت بيانات صادرة عن مبادرة البيانات المشتركة للمنظمات انخفاض صادرات النفط الخام من السعودية في شهر مايو 2026 إلى 3.434 مليون برميل يوميًا، بالمقارنة بنحو 3.986 مليون برميل يوميًا في أبريل 2026، وعلى الجانب الآخر انخفضت عوائد صادرات السعودية للنفط الخام من نحو 273 مليون دولار في عام 2022 إلى 133 مليون دولار في عام 2026، وهو ما حدث نتيجة العوائق التي تواجه تجارة النفط في الشرق الأوسط.

الشكل (2): أسعار نفط خام برنت خلال الفترة من 15 يوليو 2026 إلى 23 يوليو 2026

ومن الشكل (2) يتضح أنه قد ترتب على التوترات المُتزايدة في الممرات البحرية بمنطقة الشرق الأوسط ارتفاع في سعر نفط خام برنت، إذ ارتفع من 85.99 دولار للبرميل في 15 يوليو إلى 91.01 دولار للبرميل في 21 يوليو 2026، وبعد حصار الحوثي لباب المندب ارتفع السعر إلى 97.7 دولار للبرميل صباح اليوم الخميس، وحتى كتابة هذا التحليل، وبوصوله إلى هذا المستوى، فإنه يُمكن القول إنه سجل أعلى مستوى له منذ أكثر من ستة أسابيع.

(-) ارتفاع أسعار السلع: ستؤثر الاضطرابات في باب المندب على مرور ما بين 10% إلى 12% من التجارة البحرية العالمية، وباعتباره يربط البحر الأحمر بخليج عدن، فهو طريق عبور رئيسي للبضائع بين آسيا وأوروبا، ومع تزايد التوترات فيه بالتوازي مع مضيق هرمز، من المتوقع أن ترتفع أسعار السلع العالمية بنسبة 16% في عام 2026؛ بسبب الارتفاع القياسي في أسعار الأسمدة، ووصول أسعار المعادن إلى مستويات قياسية. هذا وقد ارتفع مؤشر الغذاء العالمي من 124.1 في يناير 2026 إلى 130.3 في يونيو 2026، ومن المتوقع أن يرتفع بشكل أكبر مع تزايُد التوترات في الشرق الأوسط.

خريطة (1) مسارات المضايق البحرية في منطقة الشرق الأوسط

(-) التأثير على قناة السويس: توضح الخريطة (1) أن مضيق باب المندب بوابة بحرية تربط المحيط الهندي بالبحر الأحمر وقناة السويس، وبالتالي فالمضيق هو المدخل الإجباري للسفن القادمة إلى البحر الأحمر وفي طريقها إلى قناة السويس، وبالتالي فتأثير الاضطرابات في مضيق باب المندب أكثر خطورة على حركة السفن في قناة السويس من الاضطرابات في مضيق هرمز.

فبعد إعلان الحوثي في 20 يونيو 2026 فرض حصار بحري على السفن المرتبطة بالسعودية، ومع تهديدات بتوسيع نطاق الاستهداف، بدأت بعض شركات الشحن وناقلات النفط تغيير مساراتها؛ بسبب المخاوف الأمنية، وبالتالي لن يكون أمام السفن سوى الإبحار في طريق رأس الرجاء الصالح، فقد أشارت البيانات الملاحية إلى أن هناك خمس ناقلات نفط غيرت مسارها في البحر الأحمر؛ لتجنب مضيق باب المندب، ولكن اثنتين منهما اتجهتا إلى قناة السويس، ومع ذلك فقناة السويس من المتوقع أن تشهد تراجعًا في عدد السفن المارة بها، بالمقارنة بالأوقات التي تشهد استقرارًا.

سيناريوهات مستقبلية

إن الوضع في الممرات البحرية في منطقة الشرق الأوسط يضع مجموعة من السيناريوهات المستقبلية المفترض اتخاذها، وذلك على النحو التالي:

(-) زيادة الاتجاه إلى إيجاد ممرات بديلة: إن العالم لا يستطيع تحمُّل قطع جزء كبير من إمدادات النفط لفترة طويلة، ولكن ستظهر بدائل تعمل على الحد من نسبة النقص في معروض النفط العالمي، فمن بعض البدائل التي ظهرت خطوط الأنابيب البرية التي تتصل بمحطات بحرية بديلة، بما في ذلك خط أنابيب (الشرق - الغرب) في المملكة العربية السعودية، وخط أنابيب "حبشان - الفجيرة" في الإمارات العربية المتحدة، والممرات الشمالية التي أُعيد تفعيلها وتصل بالبحر الأبيض المتوسط، وهذا الاتجاه سيزداد تشكيله في السنوات المُقبلة، فإمدادات النفط لا يُمكن أن تظل رهينة لحسابات المصالح في الشرق الأوسط.

(-) تكثيف الاستثمارات في مصادر الطاقة المتجددة: العالم أدرك من الحرب الإيرانية الأمريكية أن الاعتماد على الوقود الأحفوري الذي يأتي جزء كبير منه من دول منطقة الشرق الأوسط في عمليات التنمية الاقتصادية، أصبح رهانًا ترتفع فيه درجة المخاطر، ونمو الدول أصبح مُهددًا مع أي توترات جيوسياسية تحدُث في الممرات البحرية اللوجستية في العالم، وبالتالي فالدول ستتخذ خططًا مُكثفة نحو الاستثمار في مصادر الطاقة المتجددة؛ لأن هذا الاستثمار يرفع درجة مرونتها في مواجهة الاضطرابات المختلفة.

ففي هذا السياق بلغت الاستثمارات العالمية في مجال الطاقة المتجددة نحو 2.3 تريليون دولار، مُسجلة بذلك مستوى قياسيًا مع استمرار النمو خلال عام 2026، ففي هذا العام أصبح التحول نحو الطاقة الكهربائية ضمن أكبر الاستثمارات في مجال الطاقة المتجددة، حيث تستحوذ المركبات الكهربائية وأنظمة النقل المعتمدة على الكهرباء على حصة كبيرة من تدفقات رؤوس الأموال، حيث بلغت قيمتها نحو 0.9 تريليون دولار في عام 2025، وهو ما يعكس تحولًا أوسع في نطاق الاعتماد على الكهرباء في استهلاك الطاقة عبر مختلف القطاعات الصناعية.

(-) الاتجاه إلى حوكمة الممرات البحرية: إن تحقيق الأمان في عبور السفن عبر الممرات البحرية في منطقة الشرق الأوسط من المتوقع أن يشهد تطويعًا للتكنولوجيا الحديثة في إحكام الرقابة على المضايق من خلال الذكاء الاصطناعي وأنظمة الأقمار الصناعية التي تستشرف الأخطار المُحتمل حدوثها، بالإضافة إلى العمل على القضاء على الصراعات في المنطقة وتحقيق الاستقرار بها، هذا فضلًا عن زيادة الاستثمارات في الموانئ الإفريقية والخليجية.

وفي النهاية يُمكن القول إن الأحداث الجارية في منطقة الشرق الأوسط تنتقل آثارها الاقتصادية السلبية إلى العالم أجمع، فالصراعات متعددة الأطراف ذات الحسابات والمصالح المختلفة، تعمل على تعقيد الأزمات بشكل كبير، فالشرق الأوسط أصبح ساحة لمعارك ضارية، لا يُدرك فاعلوها مدى الضرر الذي ستلحقه بمختلف دول العالم، خاصة الدول النامية الواقعة في المنطقة، والتي تذوق ويلات الحرب بشكل مباشر؛ لذلك فالأمر يحتاج إلى حكمة سياسية تحاول توفيق الأوضاع الجيوسياسية المتردية في الشرق الأوسط.