منذ يوم السبت 28 مارس 2026 ومنطقة الشرق الأوسط تشهد أحداثًا تُصيب الاقتصاد العالمي والإقليمي بصدمات كبيرة أدت إلى اضطراب العديد من المؤشرات داخل معظم الاقتصاديات، فجميع المؤسسات المالية باتت تضع توقعات مُتشائمة عن سوق النفط والأسواق المالية المختلفة.
وهو الأمر الذي لا يُمكن تحمُّلُه لفترة طويلة، خاصةً في الدول النامية التي تخطو خطوات واضحة نحو التنمية وتحقيق معدلات مرتفعة من النمو الاقتصادي، ولكن هذه الأزمات تُرجِع هذه الدول وغيرها إلى الوراء، بشكل ينعكس على مواطنيها بشكل كبير.
وتأسيسًا على ما سبق، يتطرق هذا التحليل إلى التعرُّف على الانعكاسات الاقتصادية المختلفة للأحداث الراهنة في منطقة الشرق الأوسط، مع توضيح سيناريوهات هذه الأزمة.
انعكاسات محورية
يُمكن التعرُّف على النتائج الاقتصادية للهجوم الإسرائيلي الأمريكي على إيران، ورد الفعل الإيراني في النقاط التالية:
(-) ارتفاع أسعار النفط: يُعتبر هذا المؤشر من أهم المؤشرات التي تؤثر عليها الأحداث الحالية في الشرق الأوسط، إذ إنه عصب الاقتصاديات ومحرك نموها، ويوضح الشكل (1) كيف أثرت الأحداث الحالية في منطقة الشرق الأوسط على أسعار النفط، إذ ارتفعت من 65.42 دولار للبرميل في 25 فبراير 2026 (قبل الهجوم الأمريكي الإسرائيلي على إيران) إلى 73.22 دولار للبرميل في 2 مارس 2026، أي ارتفعت بنسبة 11.9%، هذا بالإضافة إلى أن العقود الآجلة لخام برنت قفزت بنحو 8% قرب مستوى 79 دولارًا للبرميل، بينما صعدت العقود الآجلة للخام الأمريكي 7.6% إلى 72.10 دولار للبرميل.
مع توقعات شركة "وود ماكنزي" أن يصل سعر النفط إلى 100 دولارًا للبرميل إذا لم يتم استئناف تدفق الناقلات عبر المضيق، ومن ناحية أخرى يتوقع جولدمان ساكس علاوة مخاطر في الوقت الفعلي قدرها 18 دولارًا للبرميل في أسعار النفط، تتراجع إلى 4 دولارات إذا توقفت 50% فقط من التدفقات عبر مضيق هرمز لمدة شهر. ويُمكن القول إن هذه التوقعات من المُحتمل أن تتجه إلى التحقُق بعد استهداف مصفاة تابعة لشركة " أرامكو " برأس تنورة في السعودية.
وهو الأمر الذي يُشير إلى حيوية دور المضايق البحرية في منطقة الشرق على تدفقات النفط العالمي، فمضيق هرمز الذي يمر من خلاله 20% من إمدادات النفط العالمي، و20% من الغاز الطبيعي المُسال، يُعتبر عاملًا رئيسيًا وجوهريًا في تحديد أسعار النفط العالمية، ومدى توافره داخل العديد من الدول، خاصة الدول الآسيوية، إذ إن أكثر من 80% من حركة النفط فيه متجهة إلى الصين والهند واليابان وكوريا الجنوبية.
(-) تراجع سوق الأسهم: تؤثر التوترات الجيوسياسية المُتفاقمة على أسواق الأسهم بشكل كبير، خاصة الأسواق الآسيوية التي تعتمد بشكل أساسي على النفط المستورد من منطقة الشرق الأوسط، فهذه الأحداث سترفع من سعر النفط المستورد، الأمر الذي يترتب عليه تباطؤ الإنتاج الصناعي داخل الدول، وبالتالي سيخرج المستثمرون من أسهم الصناعات الثقيلة إلى أسهم الطاقة؛ لتحقيق هامش ربح أعلى، كما ستتراجع أسهم شركات الطيران؛ بسبب اضطراب حركة السفر جراء الحرب الإيرانية.
وهو ما تحقق على أرض الواقع، فقد انخفضت أسهم شركات الطيران الآسيوية، إذ تراجعت أسهم "كاثي باسيفيك" في هونج كونج و "كانتاس" الأسترالية وطيران سنغافورة والخطوط الجوية اليابانية بأكثر من 5%.
ومن ناحية أخرى، تراجع مؤشر نيكاي 225 القياسي بنسبة 0.9%، كما تراجع مؤشر توبكس الأوسع نطاقًا بنسبة 1.1%، وكما يوضح الشكل (2) فمعظم المؤشرات الرئيسية للبورصات العالمية تشهد تراجعًا في أدائها في بداية تداول يوم الاثنين 2 مارس، وهو ما يدل عليه اللون الأحمر في الشكل.
وعلى المستوى الإقليمي، أعلنت هيئة الأوراق المالية والسلع الإماراتية تعليق التداولات في "سوق أبو ظبي للأوراق المالية" و"دبي المالي"، خلال يومي 2 و 3 مارس؛ بهدف احتواء أي اضطرابات حادة قد تطال معنويات المستثمرين، وذلك بعد موجات بيع كبيرة ضربت بورصات المنطقة، فقد انخفض المؤشر العام "تاسي" في السعودية بنحو 4.5% عند الافتتاح، في أكبر تراجع خلال 11 شهرًا، وانخفض المؤشر الرئيسي لبورصة مسقط بنسبة 1.4%، في حين أغلق مؤشر البحرين بخسارة نحو 1%، وهبط المؤشر الرئيسي للبورصة المصرية بأكثر من 5% عند الافتتاح لكنه قلّص خسائره إلى 2.5%.
(-) تصاعُد الطلب على الملاذات الآمنة: من المُتعارف عليه أنه في ظل التوترات الجيوسياسية المُتصاعدة يرتفع الطلب على الملاذات الآمنة، خاصة الذهب، حيث تُشير تحركات السعر الأخيرة إلى تحرك السوق نحو مستوى المقاومة البالغ 5500 دولارًا للأونصة في 2 مارس 2026، بالمقارنة بـ 4931 في 17 فبراير 2026، وهو ما انعكس على ارتفاع أسعار الذهب في الأسواق المحلية بشكل كبير.
ومن ناحية أخرى، تُعتبر السندات، وخاصةً الحكومية منها، ملاذًا أمنًا في أوقات الأزمات، فقد ارتفعت عوائد السندات الخزانة الأمريكية، خلال الساعات الأولى من تداول يوم الاثنين، إذ ارتفع عائد سندات الخزانة القياسية لأجل 10 سنوات بمقدار 75 نقطة أساس ليصل إلى 3.98%، بينما ارتفع عائد سندات الخزانة لأجل 30 عامًا إلى 4.657%، كما ارتفع عائد سندات الخزانة لأجل عامين إلى 3.40%.
(-) ارتفاع معدلات التضخم: تتمثل النتيجة المنطقية للاختناقات في سلاسل الإمداد العالمية؛ نتيجة الأحداث في منطقة الشرق الأوسط، في ارتفاع معدلات التضخم داخل العديد من الدول، ولكن بمعدل أعلى في دول المنطقة، فالنفط مُدخَل إنتاج أساسي في العديد من السلع، فبالتالي ارتفاع سعره يعمل على ارتفاع أسعار السلع المختلفة.
(-) تراجع أسعار العملات الوطنية: تتراجع أسعار صرف العملات الوطنية مع التوترات الجيوسياسية الحالية، فارتفاع فاتورة الواردات مع انخفاض العوائد الدولارية، نتيجة تعطل الممرات البحرية في منطقة الشرق الأوسط، وتضرُر قطاع السياحة بشكل كبير، يعمل على انخفاض الغطاء النقدي للعملة الوطنية، وبالتالي تنخفض أسعارها أمام الدولار.
سيناريوهات مُحتملة
يُمكن التنبؤ بمسارات الأزمة الراهنة في الشرق الأوسط من خلال السيناريوهين التاليين:
(-) السيناريو الأول: يذهب هذا السيناريو إلى أن الهجوم الإسرائيلي الأمريكي على إيران لن يستمر طويلًا، فبعد مقتل المرشد الإيراني "علي خامنئي"، بدأت تظهر مجددًا ظاهرة الذئاب المنفردة، وهو ما يعني أن الصراع انتقل من الداخل الإيراني إلى الخارج، مما يُشير إلى أن الولايات المتحدة الأمريكية وغيرها من الدول التي يقطُن بها مواطنون أمريكيون من المُحتمل أن تشهد عمليات انتحارية منفردة، وهو ما حدث في ولاية تكساس الأمريكية عندما قام شخص يحمل علم إيران بقتل شخصين وإصابة 14 آخرين، الأمر الذي يُشكِّل خطرًا كبيرًا في المرحلة القادمة، ستدركه الإدارة الأمريكية.
ومن ناحية أخرى، سيطرة إيران على مضيق هرمز وتحكُّمها في إغلاقه أو فتحه، سيضع ضغوطًا كبيرة على جميع الاقتصاديات، بما فيها الاقتصاد الأمريكي، وهو الأمر الذي لا يُمكن تحمُّلُه لفترة كبيرة، وهو ما يضع احتمالًا أن الفترة القادمة ستشهد دعوة إلى مفاوضات بين الجانب الإيراني والأمريكي.
ويُمكن القول أيضًا إن استهداف إيران للداخل الإسرائيلي بشكل مُكثف يضع احتمالًا أن إسرائيل سوف لا تتحمل كل هذه الضربات لمدة طويلة، إذ استطاعت إيران أن تصل إلى مصانع البتروكيماويات في تل أبيب، وهو الأمر الذي يعني أن الضربات تذهب إلى مواقع إستراتيجية.
(-) السيناريو الثاني: يُعَدُّ هذا هو السيناريو الأكثر تشاؤمًا على اقتصاد منطقة الشرق الأوسط والاقتصاد العالمي، وهو أن تستمر الحرب حتى تحقيق الأهداف الإسرائيلية، والتي يأتي أهمها إسقاط النظام الإيراني، وهو الأمر الذي لا يتأتّى بسهولة مع الجانب الإيراني، حيث سيستمر في الهجوم على دول الخليج وعلى الداخل الإسرائيلي، كما أنه من المُمكن أن يتجه إلى غلق مضيق هرمز بشكل كامل، وهو السيناريو الذي لا تحُبذه جميع دول العالم.
وفي النهاية، يُمكن القول إن الأحداث في منطقة الشرق الأوسط لا تؤثر فقط على دول المنطقة، ولكن تمتد آثارها إلى الاقتصاد العالمي أجمع، فاستمرارها بل وتفاقُمها يحمل صدمات كبيرة للاقتصاديات كافة، وهو الأمر الذي يتطلب من الجميع العودة إلى الحلول السياسية دون العسكرية، فالحلول السياسية لا تهدم الدول وتدمر اقتصادها مثلما تفعل الحلول العسكرية، فالاقتصاد العالمي والإقليمي لا يكاد أن يلتقط أنفاسه حتى تأتي صدمة كبرى تُعيده للوراء مرة أخرى.