يدخل الصراع في السودان مرحلة جديدة من التصعيد، مع اتساع رقعة المواجهات العسكرية واحتدام المعارك في عدد من المناطق الاستراتيجية، وفي مقدمتها مدينة الأُبيّض بولاية شمال كردفان، بما يعكس تجدد حدة القتال بعد أكثر من ثلاثة أعوام على اندلاع الحرب بين القوات المسلحة السودانية و"قوات الدعم السريع" في 15 أبريل 2023. وتزامن ذلك مع تصاعد الهجمات بالطائرات المسيّرة، وتكثيف التحركات العسكرية، واتساع دائرة الاشتباكات في كردفان ودارفور، الأمر الذي أعاد رسم أولويات الصراع، وأثار مخاوف من دخول الحرب مرحلة أكثر تعقيدًا قد تنعكس على توازنات القوى والأوضاع الإنسانية في البلاد.
وفي موازاة التصعيد الميداني، تكثفت التحركات الدولية لإحياء مسار التسوية، حيث طرحت الولايات المتحدة الأمريكية خلال يونيو 2026 مقترحًا لهدنة إنسانية لمدة 90 يومًا، تسلمته الحكومة السودانية في 20 يونيو 2026، قبل أن تقدم ردها في 25 يونيو بالموافقة على معظم بنوده، مع التمسك بشرط الانسحاب الكامل لـ"قوات الدعم السريع" من جميع المدن التي سيطرت عليها منذ مايو 2023، بينما كُشفت تفاصيل المقترح عبر وثائق نشرتها وكالة رويترز في 9 يوليو 2026. وتعكس هذه التطورات تداخل المسارين العسكري والسياسي، وتثير تساؤلات حول مدى قدرة المبادرات الدولية على احتواء الأزمة، وتأثير تجدد الصراع على مستقبل الدولة السودانية في ظل استمرار المواجهات واتساع تداعياتها.
تأسيسًا على ما تقدم، يسعى التحليل للإجابة عن سؤال: كيف يؤثر التصعيد العسكري على فرص التسوية في ظل الصراع المتجدد بالسودان؟
تطورات الصراع
تكشف التطورات الأخيرة عن دخول الصراع في السودان مرحلة جديدة من التصعيد، نلاحظه في:
(*) مدينة الأُبيّض باعتبارها محور التنافس العسكري: برزت مدينة الأُبيّض، عاصمة ولاية شمال كردفان، خلال الأسابيع الأخيرة بوصفها إحدى أهم ساحات الصراع في السودان، لما تتمتع به من موقع استراتيجي يربط ولايات الوسط بإقليم دارفور، فضلًا عن كونها مركزًا رئيسيًا لطرق الإمداد العسكرية والتجارية. كما تضم المدينة منشآت عسكرية وقاعدة جوية، ما يجعل السيطرة عليها هدفًا رئيسيًا لكل من الجيش السوداني و"قوات الدعم". وخلال الفترة الأخيرة، كثّفت "قوات الدعم السريع" عملياتها العسكرية حول المدينة، عبر توسيع انتشارها في المحاور الشمالية والغربية والجنوبية، إلى جانب تنفيذ هجمات بالطائرات المسيّرة استهدفت منشآت خدمية وبنية تحتية، في محاولة لزيادة الضغط على الجيش وإعادة فرض الحصار على المدينة. وفي المقابل، أعلن الجيش السوداني تعزيز مواقعه الدفاعية واستمرار سيطرته على محاور القتال والطرق الرئيسية، مؤكدًا عزمه منع أي تقدم لـ"الدعم" نحو المدينة.
(*) تحولات ميدانية جمة: تعكس التطورات العسكرية الأخيرة تغيرًا في طبيعة الصراع، إذ لم تعد المواجهات تقتصر على الاشتباكات البرية، وإنما اتجهت إلى توسيع استخدام الطائرات المسيّرة والاستهداف بعيد المدى للبنية التحتية، بما في ذلك محطات الكهرباء ومستودعات الوقود وطرق الإمداد. ويهدف هذا التحول إلى إضعاف القدرات اللوجستية وإرباك خطوط الإمداد، إلا أنه أدّى في الوقت نفسه إلى تدهور الأوضاع المعيشية، مع انقطاع الكهرباء وتعطل خدمات المياه وارتفاع أسعار السلع الأساسية، بما يعكس اتساع تأثير الحرب ليشمل مختلف جوانب الحياة المدنية.
(*) الامتداد الإقليمي: اتسعت أبعاد الصراع السوداني خلال المرحلة الأخيرة لتتجاوز الإطار الداخلي، في ظل تزايد الاهتمام الإقليمي والدولي بتطورات الميدان، خاصة مع احتدام المواجهات في ولايتي شمال كردفان وشمال دارفور. ويعود ذلك إلى الموقع الجغرافي للسودان، الذي يجعله حلقة وصل بين منطقة القرن الأفريقي وإقليم الساحل والبحر الأحمر، بما يمنح أي تطور عسكري داخله انعكاسات تتجاوز حدوده. وفي هذا السياق، تنظر الأطراف الإقليمية والدولية إلى استمرار العمليات العسكرية باعتبارها عاملًا قد يفاقم حركة النزوح واللجوء، ويؤثر في مسارات التجارة والإمداد، ويزيد من مخاطر انتشار السلاح والجريمة المنظمة عبر الحدود. كما دفعت هذه التطورات الأمم المتحدة وعددًا من الوسطاء الدوليين إلى تكثيف جهودهم لدعم مساعي التهدئة، انطلاقًا من أن استقرار السودان يمثل ركيزة أساسية لاستقرار محيطه الإقليمي.
(*) المبادرة الأمريكية المطروحة: في موازاة التصعيد العسكري، برزت تحركات دبلوماسية لإحياء مسار التسوية، حيث سعت الولايات المتحدة الأمريكية إلى إعادة إحياء مسار التسوية من خلال طرح مبادرة تستهدف وقف التصعيد العسكري وتهيئة الظروف لاستئناف العملية السياسية. وتضمنت المبادرة عددًا من البنود الرئيسية، من أبرزها إقرار هدنة إنسانية مؤقتة، وتسهيل وصول المساعدات إلى المناطق المتضررة، وإنشاء آلية بإشراف الأمم المتحدة لدعم تنفيذ الترتيبات الأمنية، إلى جانب الشروع في مفاوضات تقود إلى وقف دائم لإطلاق النار، وتشكيل جيش وطني موحد، وتنفيذ برامج لنزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج، فضلًا عن إطلاق عملية سياسية بقيادة مدنية تمهد لإجراء انتخابات. ورغم شمول المبادرة لعدد من الملفات الأساسية، فإن الخلاف بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع حول آليات تنفيذها، ولا سيما ما يتعلق بانسحاب القوات من المدن وترتيبات ما بعد وقف إطلاق النار، لا يزال يمثل العقبة الرئيسية أمام تحقيق تقدم ملموس، وهو ما يعكس استمرار ارتباط فرص التسوية بالتطورات الميدانية على الأرض.
سيناريوهان محتملان
تشير التطورات الميدانية والسياسية إلى أن مستقبل الأزمة السودانية يرتبط بقدرة الأطراف على الموازنة بين الحسابات العسكرية والضغوط الدولية، وفي ضوء المعطيات الحالية يبرز سيناريوهان أكثر ترجيحًا خلال المرحلة المقبلة، وهما:
(&) استمرار التصعيد العسكري: وهو السيناريو الأكثر ترجيحًا في ظل احتدام المعارك حول مدينة الأُبيّض واستمرار العمليات العسكرية في كردفان ودارفور، مع تمسك كل طرف بتحقيق مكاسب ميدانية تعزز موقفه في أي مفاوضات مستقبلية. ومن شأن استمرار هذا المسار أن يؤدي إلى إطالة أمد الحرب، واتساع رقعة المواجهات، وتفاقم الأزمة الإنسانية، فضلًا عن زيادة الضغوط على مؤسسات الدولة والاقتصاد السوداني.
(&) هدنة إنسانية تمهد لاستئناف المفاوضات: يقوم هذا السيناريو على نجاح الضغوط الدولية، ولا سيما التحركات الأمريكية والأممية، في التوصل إلى وقف مؤقت لإطلاق النار يسمح بإيصال المساعدات الإنسانية وتهيئة الأجواء لاستئناف الحوار. إلا أن فرص تحول هذه الهدنة إلى اتفاق دائم ستظل مرتبطة بمدى استعداد الأطراف لتقديم تنازلات بشأن القضايا الخلافية، وفي مقدمتها الترتيبات الأمنية، ومستقبل انتشار القوات وتعزيز جهود الإصلاح الهيكلي دون المساس بمؤسسات الدولة الوطنية في السودان.
ختامًا؛ يمكن القول إن مستقبل الاستقرار في السودان يظل مرهونًا بتغليب مسار التسوية على خيار المواجهة، إلى جانب استمرار الضغوط الإقليمية والدولية لدعم وقف إطلاق النار وتوفير بيئة مناسبة للحوار. فكلما طال أمد الصراع، ازدادت كُلفته الإنسانية والاقتصادية، وتعاظمت تداعياته على السودان ومحيطه الإقليمي، بما يجعل التوصل إلى تسوية سياسية شاملة الخيار الأكثر قدرة على إنهاء الأزمة واستعادة الاستقرار بدعم من مؤسسات الدولة السودانية.