خلال الأسبوعين الماضيين، شهدت الحدود الغربية الإيرانية حوادث اشتباك وإطلاق نار بين عناصر القوات البرية للحرس الثوري ومقاتلي المعارضة الكردية المسلحة. ففي 1 يوليو 2026، اشتبك الحرس الثوري مع عناصر الحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني خلال تسللهم عبر منطقة جبلية حدودية قرب بيرانشهر بمحافظة أذربيجان الغربية، ما أسفر عن مقتل 5 من عناصر الحزب. وجاءت تلك المواجهات بعد يوم من تقارير الإعلام الرسمي الإيراني التي أفادت في 30 يونيو 2026 بمقتل 6 من المسلحين الأكراد في بيرانشهر، ومقتل عنصرين من قوات الحرس الثوري وإصابة اثنين آخرين.
وتأسيسًا على ما سبق؛ يتناول التحليل التالي تطورات الموقف على الحدود الشمالية والشمالية الغربية الإيرانية مع العراق، وحدود تأثير ذلك على مسار الأزمة الإيرانية داخليًا وخارجيًا في ظل دعوات دعم المعارضة الكردية التي شكّلت ائتلافًا سياسيًا قبيل انطلاع حملة القصف الأمريكي الإسرائيلي في 28 فبراير 2026.
جدلية متصاعدة
فيما بدى رد فعل على معضلة اليوم التالي لانهيار النظام، أعلنت 6 قوى كردية إيرانية، في 22 فبراير 2026، ائتلافًا سياسيًا بعد 8 أشهر من المفاوضات وتضمن ميثاقه النص على تشكيل مركز قيادة مشتركة للأجنحة المسلحة ولجنة دبلوماسية مشتركة للاتصالات الدولية وبناء مسار انتقالي مع إجراء الانتخابات في "المناطق المحررة"، فضلًا عن النص على حق تقرير المصير الكردي والالتزام بالتنسيق والتحالف مع القوميات المقموعة ومراعاة المساواة الجندرية.
وبناءً على ما تقدم؛ تظهر أهمية الأكراد في المشهد الإيراني على النحو التالي:
(*) قوة منظمة: تُعد المجموعات الكردية التي تنشط في إقليم كردستان العراق هي أكثر القوى المنظمة في إطار المعارضة الإيرانية المسلحة، تمتلك قوة مسلحة تتراوح بين 8 و10 آلاف مقاتل على أقصى تقدير وحظي بعضها بدعم لوجيستي وتسلحي من الولايات المتحدة وتمويلي من إقليم كردستان، وعمل بعضها إلى جانب المجموعات العراقية المسلحة الموالية لإيران قبل 11 عامًا خلال المواجهة مع تنظيم "داعش" الإرهابي على غرار الجناح المسلح لحزب الحرية الكردستاني "الجيش الوطني الكردستاني". ويأتي حزب الحياة الحرة الكردستاني "بيجاك"- الجناح الإيراني لحزب العمال الكردستاني- في مقدمة القوى المنظمة وقد استحوذ على 70% من إجمالي الهجمات الكردية المسلحة منذ عام 2015، ويمتلك دورًا رئيسيًا في دعم المتظاهرين يناير 2026، إذ نقلت وكالة فارس الإيرانية عن الحرس الثوري، في 10 يناير الماضي، أن حزب الحياة الحرة قتل 8 من عناصر الحرس خلال اشتباكات بمحافظة كرمانشاه وأن قناصًا تابعًا للحزب قتل ضابط شرطة في محافظة إيلام خلال اليوم ذاته. ويمتلك الحزب الديمقراطي الكردستاني شبكة ولاءات في الأقلية الكردية داخل إيران، ويتراوح عددها بين 8 و15 مليون نسمة، وكذلك في الشتات الكردي بأوروبا.
(*) روابط سياسية عابرة: جاء التحالف بين القوى الكردية بعد أشهر من المفاوضات والترتيبات لدعم الحراك الاحتجاجي الذي اندلع في 2022 ردًا على مقتل الفتاة الكردية مهسا أميني، في إطار عقد مؤتمر مشترك بين "بيجاك" والحزب الديمقراطي وحزب الحرية وحزب الكوملة في سبتمبر 2024 لدعم حراك "المرأة والحياة والحرية". وخلال فترة الاحتجاجات الأخيرة أصدرت القوى الكردية بيانًا، في 5 يناير 2026، لإبراز التنسيق والعمل المشترك على دعم المظاهرات والإضراب العام في 8 يناير الماضي، قبل أن يتحول ذلك التنسيق إلى ائتلاف سياسي في 22 فبراير 2026؛ أملًا في أن تؤدي الضربات الأمريكية الإسرائيلية في إضعاف النظام. غير أن هذا التعاون السياسي لم يترجم في صورة عمل مشترك بالنظر إلى استمرار الخلافات الأيديولوجية بين هذه المكونات من جهة، وعدم وجود مؤشرات على ضعف النظام من جهة أخرى، فضلًا عن تحيُّن الفرصة لنضوج دعم خارجي موثوق في حال تجدد النزاع.
(*) تصعيد ميداني لافت: تظهر بيانات تتبع حملات القصف على الجبهة الشمالية الغربية من حدود إيران مع العراق، كثافة نيرانية في استهداف المقار والمواقع العسكرية والأمنية، حيث قصفت الولايات المتحدة وإسرائيل، في مارس الماضي، مناطق كردستان الإيرانية 140 مرة، بينما قصفت طهران خلال الفترة ذاتها مواقع بإقليم كردستان العراق بنحو 338 صاروخ ومُسيّرة، من بينها نصف عدد الهجمات على معسكرات المعارضة الإيرانية الكردية المسلحة، خاصة في 19 مارس 2026، والذي شهد إطلاق إيران وحلفائها في العراق نحو 20 مُسيّرة.
وتشير تصريحات قادة ميدانيين للجماعات الكردية المسلحة في حزب الحياة والحرة وحزب الحرية، لوكالة رويترز، إلى أن طهران أرسلت جواسيس إلى المناطق المدنية في إقليم كردستان، تشمل المساجد والمدارس لتتبع نشاط تلك الجماعات واستهداف قادتها، وهو ما أسفر عن اغتيال القائد الميداني في حزب الحرية سوران محمد زاده في 2 يوليو 2026 في أربيل، تزامنًا مع طلبها من الإنتربول إصدار مذكرات اعتقال بحق قادة ومسؤولين بالأحزاب الكردية ومطالبة العراق بتفعيل الاتفاق الأمني بين البلدين 2023 لنزع سلاح المعارضة الكردية، وإبعادها عن الحدود الإيرانية. كما تشير تلك التصريحات على الجانب الآخر إلى تحول في نمط تجنيد الأكراد الإيرانيين من الداخل، حيث ذكر ريباز شريفي، القائد في حزب الحرية، في تصريحات لرويترز، أن الحزب لم يعد بحاجة لاستقطابهم من الداخل ودفع 300 دولار لكل مجند لصالح المهربين وعناصر الحرس الثوري، كما كان الحال قبل الحرب.
وفي 29 يونيو 2026، وقع هجوم مسلح في مدينة باوة بمحافظة كرمانشاه غربي إيران، أسفر عن مقتل اثنين من عناصر الحرس الثوري وإصابة اثنين آخرين. وفي 30 يونيو 2026، قتل الحرس الثوري 5 عناصر من المعارضة الكردية المسلحة عبر استهداف مركبتهم في منطقة جبلية حدودية قرب بيرانشهر، كما قتل عنصرًا آخر في سردشت في محافظة أذربيجان الغربية، وتشير منظمات حقوقية داعمة للمعارضة الكردية المسلحة إلى الهجوم الكردي في 29 يونيو 2026، نُفذ بواسطة مجموعة كردية تشكّلت حديثًا للانتقام من الحرس الثوري؛ نظرًا لدوره في قمع الحراك الكردي 2022.
زخم رمزي
يحتل خيار المعارضة الكردية المسلحة زخمًا إعلاميًا في معادلة تغيير النظام، إلا أن ذلك الزخم يظل محدودًا بالنظر للأسباب التالية:
(&) غياب القدرات التسليحية: رغم التقديرات التي تعظم من دور القوى الكردية، إلا أن قدراتها البشرية والتسليحية تظل أقل مما روجت له الدعاية الإسرائيلية بالقدرة على تغيير الواقع على الأرض، فمن جهة تفتقر للمُسيّرات والأسلحة المتوسطة والثقيلة، وتنفي تلقي أسلحة أمريكية خلال الفترة الأخيرة، ومن جهة أخرى تطالب القوى الكردية بغطاء جوي لتعويض التفوق الإيراني في مجال حروب المُسيّرات والصواريخ، فضلًا عن عدم وجود مؤشرات على جاهزية وكفاءة قتالية للتحالف الكردي الوليد.
(&) الانقسام الكردي: على الرغم من إعلان تشكيل ائتلاف سياسي كردي عابر للأيديولوجيا في ظل خلافات واسعة وعميقة بين أنصار الكونفدرالية الكردية على غرار موقف حزب الحياة الحرة، في مواجهة اتجاه قومي تقليدي ويسعى للوحدة الكردية الكاملة على غرار الحزب الديمقراطي، فضلًا عن طبيعة العلاقة مع دول الجوار وحكومة إقليم كردستان والتي تمثل محددًا رئيسيًا لمستقبل العمل المسلح للقوى الكردية الإيرانية في أراضي الإقليم، تحت ضغط إيران وتركيا والعراق.
(&) ضعف التأييد الداخلي: لا يبدو أن التحالف الكردي قادر على جذب عموم الإيرانيين الذين يتخوفون من حراك انفصالي مسلح يناول من وحدة الجغرافيا الإيرانية، خاصة مع إعلان ميثاق الائتلاف السعي لتقرير المصير الكردي بالتزامن مع إبداء الانفتاح على التنسيق والتعاون مع القوميات الإيرانية الأخرى. يبدو أن الجماعات الكردية المسلحة تعمل بمعزل عن الشارع الكردي في الداخل الإيراني، بالنظر لطبيعتها الانفصالية وغياب ارتباطها الثقافي بالبيئة الإيرانية، فمعظم أعضاء ذلك المجتمع تركوا المناطق الكردية في غرب إيران في عمر الطفولة ويربطون عودتهم إلى إيران ببروز مؤشرات على ضعف سيطرة النظام على الأرض، بينما يبرز على الجانب الآخر، أجنحة للمعارضة الكردية الداخلية والتي قد تمتلك ارتباطات محلية في إطار المجتمع الكردي أولًا، وبالتعاون مع قوى المجتمع الإيراني الأوسع من الفئات الشابة خاصة تلك التي لا تنتمي عقائديًا لنظام الجمهورية الإسلامية في إطار موجات احتجاج وطني تشكل بدوافع اقتصادية واجتماعية سياسية داخلية بعيدًا عن التفاهمات والدعم العسكري واللوجيستي الخارجي في أوقات الحرب.
إجمالًا؛ يمثل تصدر تحالف قوى انفصالية بمشروع قومي مشهد الحراك المسلح والعنيف ضد نظام الجمهورية الإسلامية الإيرانية، تحديًا أمام باقي أطياف المعارضة في الخارج، بل على العكس من ذلك، فإن تصدر المسلحين الأكراد لحراك القوى المناوئة أداة دعاية مضادة في يد طهران التي تعتبر ذلك التحرك امتدادًا للهجوم على الحضارة والمجتمع والدولة الإيرانية، مما يقلص رغبة الفاعلين على الأرض بالتعامل مع ذلك المشروع ويبقيه محصورًا في صيغته العرقية وعلى أطراف الجغرافيا الإيرانية عمومًا والكردية منها على وجه الخصوص. وتبرز التحولات في الداخل الإيراني غياب تلك القوى عن نبض الشارع الإيراني عامة والكردي منه على وجه الخصوص والذي يرتبط بآليات احتجاج داخلية وبعضها مائل للعنف المسلح.