عاد ملف تجنيد اليهود المتشددين "الحريديم" في جيش الاحتلال الإسرائيلي إلى صدارة المشهد السياسي والقضائي، في ظل الحرب متعددة الجبهات التي تخوضها إسرائيل منذ أشهر، وتصاعد الضغوط المطالبة بإنهاء الإعفاءات الواسعة الممنوحة لطلاب المعاهد الدينية "اليشيفوت".
ويُعد هذا الملف من أكثر القضايا إثارة للانقسام في المجتمع الإسرائيلي، إذ يعود أصل الإعفاءات الممنوحة لطلاب المعاهد الدينية إلى عام 1948، عندما وافق رئيس الوزراء الأول ديفيد بن جوريون على إعفاء نحو 400 طالب يشيفا من الخدمة العسكرية، بحجة الحفاظ على مراكز دراسة التوراة التي دُمّرت في أوروبا، خلال الحرب العالمية الثانية، وفقًا لصحيفة "هآرتس" العبرية.
استثناء تحول
مع مرور العقود، ارتفع عدد الإسرائيليين المعفيين من التجنيد في جيش الاحتلال بشكل كبير، حتى وصل وفق معطيات المحكمة العليا الإسرائيلية إلى نحو 63 ألف طالب لا يؤدون الخدمة العسكرية.
وفي قرار صدر يونيو 2024، أكدت المحكمة العليا أن إسرائيل ملزمة بتجنيد طلاب المعاهد الدينية، معتبرة أن إعفاءهم يمثل أشد أنواع التمييز.
وأشارت المحكمة العليا الإسرائيلية إلى أن حجم الإعفاءات الحالية يختلف جذريًا عن الوضع الذي كان قائمًا عام 1949، عندما كان عدد المعفيين لا يتجاوز بضع مئات.
سجال ممتد
الجدل حول التجنيد ليس جديدًا في إسرائيل، فقد كان محورًا رئيسيًا في انتخابات عام 1999، عندما رفع حزب "شينوي" العلماني بقيادة تومي لابيد شعارًا يهاجم إعفاء الحريديم من الخدمة العسكرية.
كما تعهد رئيس الوزراء الأسبق إيهود باراك آنذاك بإنهاء "الخضوع للمطالب السياسية للمتطرفين"، قبل أن يتراجع لاحقًا عن خطط لتوسيع التجنيد ويضم الأحزاب الحريدية إلى ائتلافه الحكومي.
وفي عام 2002 أُقر "قانون طال" الذي سمح بتأجيل خدمة طلاب المعاهد الدينية، لكن المحكمة العليا أبطلت القانون عام 2012 لعدم دستوريته.
لاحقًا، جعل رئيس الوزراء الإسرائيلي سابقًا يائير لابيد، قضية "تقاسم العبء" محور حملته الانتخابية عام 2013، إلا أن قانون التجنيد الذي أُقر عام 2014 تم تعديله وإفراغه من مضمونه بعد عودة الأحزاب الحريدية إلى الائتلاف الحكومي.
تشريعات مثيرة
في الوقت الراهن، يواصل الائتلاف الحاكم بقيادة بنيامين نتنياهو، الدفع بتشريعات تمنح مكانة خاصة لدراسة التوراة، بالتوازي مع مشروع قانون يهدف إلى منع اعتقال المتهربين الحريديم من الخدمة العسكرية، رغم اعتراضات قانونية واسعة.
وانتقد نتنياهو، يونيو الماضي، ما وصفه بـ"الإجراءات التي تضر بتجنيد الحريديم"، قائلًا إن إرسال الشرطة إلى المعاهد الدينية لاعتقال طلاب التوراة "سيصدم العالم اليهودي"، رغم أن الشرطة لا تقوم فعليًا بمداهمات داخل هذه المعاهد، وفق تقارير إسرائيلية.
انقسام إسرائيلي
تثير القضية انقسامًا حادًا بين الأحزاب العلمانية والأحزاب الحريدية. فبينما ترى القوى العلمانية أن استمرار الإعفاءات يقوض مبدأ المساواة ويحمّل الجنود النظاميين والاحتياط عبئًا إضافيًا خلال الحرب، تؤكد الأحزاب الحريدية أن دراسة التوراة تمثل مساهمة روحية في حماية إسرائيل ولا تقل أهمية عن الخدمة العسكرية.
وبين الضغوط القضائية والحسابات الائتلافية واحتياجات الحرب، تبقى قضية تجنيد الحريديم إحدى أكثر القضايا حساسية في إسرائيل، دون مؤشرات على تسوية قريبة تنهي هذا الجدل المستمر.