بعد سنوات قليلة من اختفاء مجموعة فاجنر الروسية عن الساحة الدولية، عقب مقتل مؤسسها يفجيني بريجوجين، كشفت صحيفة "وول ستريت جورنال" الأمريكية عن تأسيس مئات من عناصرها شبكةً واسعةً للاتجار بعقار الترامادول، بحثًا عن مصادر تمويل لأنشطتهم العسكرية.
وبحسب التقرير، فإن ما يصل إلى 500 مقاتل من فاجنر لا يزالون يتمركزون في مناطق نائية على ضفاف نهر أوبانجي في جمهورية إفريقيا الوسطى، حيث يديرون تجارةً غير مشروعة لحبوب الترامادول، إلى جانب استغلال مناجم الذهب والأخشاب، بعيدًا عن رقابة السلطات المحلية، وحتى موسكو.
الترامادول.. وقود للحرب
ويُستخدم الترامادول (وهو مسكن أفيوني يُوصف عادةً لتخفيف الآلام المتوسطة) بجرعات مرتفعة في إفريقيا الوسطى، ليصبح مادةً منشطةً شديدة الإدمان تُعرف محليًا بـ"كوكايين الفقراء".
ويشير التقرير إلى أن عمال مناجم الذهب التابعة لفاجنر يتناولون العقار لتحمل ساعات العمل الطويلة، بينما يستخدمه مقاتلو المليشيات لتعزيز الجرأة وتقليل الإحساس بالخوف أثناء القتال، كما يتناوله المشاركون في التجمعات المؤيدة لروسيا لمقاومة الجوع والإرهاق.
وقالت الباحثة في المبادرة العالمية لمكافحة الجريمة المنظمة العابرة للحدود، ناتاليا دوخان، إن "الترامادول يُستهلك في ساحات القتال بجرعات هائلة، ما يؤدي إلى اختفاء الشعور بالخوف ودخول المقاتلين في حالة من النشوة الدوائية".
تمويل جديد
ويرى التقرير أن تجارة الترامادول منحت بقايا فاجنر دفعةً ماليةً جديدةً بعد تراجع نفوذ المجموعة إثر مقتل بريجوجين، ودمج معظم عملياتها داخل مؤسسات الدولة الروسية.
وتقدر المبادرة العالمية لمكافحة الجريمة المنظمة أن المجموعة تحقق نحو 180 مليون دولار سنويًا من تهريب الذهب من إفريقيا الوسطى، فيما توفر تجارة الترامادول موردًا ماليًا إضافيًا من خلال تهريبه إلى دول الجوار.
ويقود المجموعة حاليًا بافيل بريجوجين، نجل مؤسس فاجنر، مستفيدًا من الشبكات الأمنية والاستخباراتية التي بنتها المجموعة منذ وصولها إلى البلاد عام 2018، بموجب اتفاق أمني مع رئيس إفريقيا الوسطى فوستان أرشانج تواديرا.
شبكات تهريب
ويقول التقرير إن معظم شحنات الترامادول تبدأ من الهند، حيث تُصدر شركات أدوية العقار إلى الكونجو الديمقراطية على أنه بجرعات قانونية، بينما تُخفى أقراص ذات تركيزات مرتفعة داخل الشحنات.
ومن هناك تُنقل عبر مدينة زونجو الحدودية إلى جمهورية إفريقيا الوسطى، قبل توزيعها داخل العاصمة بانجي ومنها إلى الكاميرون ودول أخرى في غرب ووسط إفريقيا.
وأشار التقرير إلى أن سعر الترامادول تضاعف ثلاث مرات داخل البلاد خلال العام الماضي نتيجة ارتفاع الطلب، بينما يمكن لشحنة تبلغ قيمتها نحو 7 آلاف دولار داخل إفريقيا الوسطى أن تحقق أكثر من 21 ألف دولار عند بيعها في الكاميرون، بعد دفع رشاوى للمجموعات المسلحة المرتبطة بفاجنر.
تعزيز النفوذ العسكري
وبحسب التقرير، تُستخدم عائدات تجارة المخدرات في شراء مزيد من الأسلحة وتمويل المليشيات الحليفة لفاجنر، بما في ذلك مجموعات مثل "القروش" و"الروس السود"، التي تنفذ دوريات مسلحة في العاصمة بانج وتتهم بترهيب معارضي الحكومة.
كما أشار التقرير إلى أن قادة فاجنر يوزعون جرعات مرتفعة من الترامادول على المقاتلين قبل العمليات العسكرية لزيادة العدوانية وتقليل الشعور بالخوف.
وتزامن ذلك، وفق بيانات جامعة أوبسالا السويدية، مع ارتفاع عدد القتلى في المعارك المرتبطة بالسيطرة على المناطق الغنية بالمعادن بنحو 20% خلال العام الماضي.