في الذكرى الـ 13 لاندلاع ثورة 30 يونيو 2013، شهدت السياسة الخارجية المصرية تحولات مركبة في صياغة الدور الخارجي وتثبيت موقع القاهرة كركيزة أساسية لأمن واستقرار منطقة الشرق الأوسط، وقوة سلام في نظام دولي يموج بالاضطرابات، ومركز اتزان يقوم على احترام التعددية وتبادل المنافع الاقتصادية وتجنب الانخراط في الاستقطابات الدولية. وترتكز عقيدة التوازن الإستراتيجي على مجموعة من المحددات، لعل أهمها حماية مصالح الأمن القومي المصري ودعم الأمن القومي العربي، إلا أن جوهر التحور يكمن في بناء سياسة خارجية تخدم أولويات الداخل من خلال التركيز على دعم المصالح الاقتصادية للأمة المصرية، واحترام سيادة الدولة الوطنية؛ باعتبارها وحدة الأساس في النظام الدولي المعاصر، وتبني رؤية متكاملة للقضاء على الإرهاب وتجفيف منابع تمويله.
وتأسيسًا على ما سبق؛ يتناول التحليل التالي مؤشرات وركائز التحول في السياسة الخارجية المصرية عقب ثورة 30 يونيو 2013.
ركائز التحول
مثّلت الفترة من يناير 2011 إلى يونيو 2013، مرحلة كاشفة لطبيعة التهديدات التي تواجه كيان الدولة المصرية، وأن ما قبلها من انكفاء وتراجع عن لعب دور فاعل في صياغة معادلات وتوازنات الإقليم تحول إلى عبء ودعوة للتدخل في شؤون البلاد، والعبث بمقدراتها ومؤسساتها وهويتها الوطنية، وعليه التقت الإرادة الشعبية بطموح القيادة السياسية في إعادة ترميم الدور المصري، والتحول لنموذج إقليمي للتعافي واستعادة كيان الدولة بعد الاضطرابات، بدءًا من تماسك المؤسسات إلى البرامج الوطنية التنموية، على غرار مشروع حياة كريمة.
(*) من الانكفاء إلى التفاعل الإيجابي: على الرغم من الارتباط المصيري مع الجوار العربي والإفريقي ظلّت القاهرة قبل اندلاع ثورتي 25 يناير 2011 و30 يونيو 2013، في حالة انكفاء نسبي، إلا أن خروج الدولة الوطنية بأقل الأضرار من فترة الاضطرابات وانتشار أعمال العنف والإرهاب جعل القاهرة تبحث عن حلول لدول الأزمات العربية على قاعدة الحفاظ على الدولة الوطنية العربية والحرص على عدم تفتتها من خلال إبداء المشورة والحرص على طرح المبادرات بين الفرقاء في الداخل من جهة وبين البلدان العربية من جهة أخرى. وتنخرط مصر في العديد من الأزمات العربية على صعيد الوساطة، فهي طرف فاعل في جهود ومسارات تسوية الأزمة الليبية، وتلعب دورًا في إنهاء حرب السودان ودعم مؤسساته الوطنية أمام مخاطر الفوضى والتفكك. كما قدمت ولا تزال جهدًا محوريًا في الملف الفلسطيني من خلال دعم الحوار بين مختلف الفرقاء في الداخل واستضافة اجتماعات الفصائل، وتثبيت الفلسطينيين على أرضهم في وجه مخططات التهجير. وامتدت مسارات الحضور المصري إلى العمق العربي الإفريقي، ممثلًا في الصومال؛ باعتباره البوابة الجنوبية الغربية للأمن القومي المصري والعربي، وذلك من خلال دعم الصومال الفيدرالي على التعافي وتقديم المساعدة الأمنية والسياسية أمام مخاطر التدخلات الخارجية التي تستهدف تفتيت البلاد.
(*) من الثبات إلى الديناميكية: تبلور الدبلوماسية الرئاسية حجم الدور المحوري الذي لعبته القاهرة في حلحلة أزمات المنطقة وخفض التوترات، ففي حرب غزة، تبادل الرئيس عبد الفتاح السيسي الرؤى مع زعماء وممثلي دول ومنظمات دولية في نحو 264 اتصالًا، جهود وقف حرب غزة والتصعيد الإقليمي المرتبط بها وإعادة إعمار القطاع وإجهاض مخطط التهجير، في الفترة من 7 أكتوبر 2023 إلى 7 أكتوبر 2025. وخلال الحرب الأمريكية الإسرائيلية الإيرانية وما سبقها من تصعيد خطابي بين أطراف الصراع شهدت الفترة من 16 فبراير إلى 28 يونيو 2026، نحو 52 اتصالًا بين الرئيس المصري وقادة وممثلي الدول والمنظمات الدولية.
مثّل الإدراك المتزايد لتحولات المشهد الجيوسياسي العالمي فرصة أمام القاهرة للتحول إلى فاعل محوري في معالجة التحديات التي تواجه منطقة الشرق الأوسط والقارة الإفريقية. فعلى الصعيد الأمني والاستخباراتي قدمت القاهرة العديد من المنصات لتعزيز التعاون الأمني رفيع المستوى مثل المنتدى الاستخباري العربي ومركز الساحل والصحراء لمكافحة الإرهاب، وكذلك المبادرات الداعمة لبناء الكوادر الشبابية والأمنية العربية الإفريقية وبناء قدرات حفظ وبناء السلام ومنع نشوب النزاعات بالتعاون مع الأكاديمية الوطنية للتدريب والوزارات السيادية، ومنها مركز القاهرة الدولي لتسوية النزاعات وحفظ السلام في إفريقيا. وعلى الصعيد السياسي والإستراتيجي، عززت من التشابكات السياسية والاقتصادية مع مجلس التعاون الخليجي ودوله الست الشقيقة وتدشين آلية التعاون الثلاثي مع العراق والأردن، وكذلك آلية الحوار المصري القبرصي اليوناني التي عززت من التعاون في ترسيم الحدود البحرية واستخراط وتدوال الطاقة، وقد كانت تلك الآلية مفتاحًا لرفع مستوى العلاقات مع الاتحاد الأوروبي إلى الشراكة الإستراتيجية الشاملة في 2024.
وفي المحيط الإقليمي، عززت دبلوماسية التهدئة وخفض التصعيد من تعزيز التقارب بين مصر والسعودية وتركيا وباكستان؛ في صيغة آلية رباعية موسعة معنية باستعادة الهدوء وبناء توافق عربي إقليمي على ترتيبات المنظومة الإقليمية عقب حرب إيران، وفق محددات واقعية وخطوط حمراء لا يمكن تجاوزها، وعلى رأسها تحقيق أمن الخليج العربي وتعزيز حضور دوله في الترتيبات المستقبلية التي تمس بمصالحها، فضلًا عن توسيع مظلة التعاون السياسي والأمني لتحقيق التوازن وردع التهديدات الإيرانية.
(*) من التحوط إلى بناء التوافق الدولي: عززت تفاعلات القاهرة على الصعيد الدولي من أهمية الحفاظ على بنية المنظومة الدولية متعددة الأطراف كسبيل لتجاوز الاستقطابات الدولية في مرحلة الانتقال الراهنة للنظام الدولي من الأحادية القطبية. وجاءت تحركات القاهرة على عدة مستويات لتعزيز حضورها الدبلوماسي الدولي وتوسيع قاعدة الشراكات الإستراتيجية مع القوى المتوسطة في آسيا، والانضمام إلى تجمع بريكس وفتح آفاق التعاون التجاري مع الاتحاد الأوراسي. وقد ساعد الحضور الدبلوماسي للقاهرة وتحركاتها في المحافل الدولية واستضافة قادة وزعماء العالم، فضلًا عن الدبلوماسية الإنسانية الرئاسية، في تحريك مواقف قوى أوروبية حليفة لإسرائيل، لتغير موقفها من الصراع الفلسطيني الإسرائيلي عامةً، وتوجيه دفة القرار في باريس لقيادة مؤتمر حل الدولتين برئاسة مشتركة مع المملكة العربية السعودية.
كما كان الدور الإنساني لدعم اللاجئين من دول الأزمات وتقديم المساعدات الإنسانية للأشقاء في البلدان العربية والإسلامية والإفريقية في مواجهة الحروب والنزاعات والكوارث الطبيعية، إحدى مداخل تعزيز الحضور الدولي للقاهرة؛ باعتبارها قوة سلام واستقرار وبناء، ما مكّنها من لعب أدوار الوساطة والتوفيق في نزاعات تبدو بعيدة نسبيًا عن دائرة الحضور التقليدي إلى جانب دبلوماسيتها الهادئة، وهو ما برز في جهودها لدعم الوساطة الباكستانية لوقف حرب إيران والتواصل مع الأخيرة على المستويات الرئاسية والوزارية والاستخباراتية رغم تدني مستوى التبادل الدبلوماسي الرسمي؛ سعيًا لإعادة الهدوء وإيجاد قناة تواصل مع الفواعل الميدانيين وإبراز حضور مصر في دعم أمن الخليج العربي بوجه أي تهديدات محتملة.
وإجمالًا؛ مثّل إدراك القيادة السياسية لمدى ارتباط السياسة الخارجية بما يجري في الداخل المصري، مكتسبًا رئيسيًا لثورة 30 يونيو 2013، ففي إطار ثوابت المبادئ المتمثلة في الارتباط الوثيق بين الأمن القومي المصري والعربي وأولوية الدولة الوطنية كفاعل مركزي في المنظومة الدولي وعدم التدخل في الشئون الداخلية للدول، وأهمية العمل على تعزيز المنظومة الدولية متعددة الأطراف وتوسيع إطار الحركة خارج الدوائر التقليدية، بما في ذلك تعزيز الشراكات الإستراتيجية المرتكزة على جذب الاستثمارات والخبرات الصناعية وتعزيز التبادلات التجارية، نجحت القاهرة في تعزيز حضورها الدبلوماسي الدولي على أسس الاحترام المتبادل وبناء الأمن المستدام في محيطها الإقليمي والدولي.