اتبعت الدولة المصرية "التنمية الشاملة" في سيناء، باعتبارها من المناطق الجغرافية الإستراتيجية، إذ أدركت أن الاستقرار في سيناء لن يتحقق بشكل كامل دون تنمية اقتصادية في جميع المجالات، حتى تكون منطقة حيوية وجاذبة للاستثمارات تُساهم بقدر كبير في النمو الاقتصادي، فسيناء تمتلك العديد من المقومات التي تؤهلها أن تكون ذات ثقل اقتصادي كبير.
وتأسيسًا على ما سبق؛ يحاول هذا التحليل التعرف على جهود الدولة المصرية لتحقيق التنمية الاقتصادية الشاملة في سيناء، وانعكاسات هذه الجهود على الاقتصاد الوطني.
محاور التنمية
يُمكن بلورة محاور التنمية الاقتصادية في سيناء عقب عام 2014 في ضوء النقاط التالية:
(-) حجم الإنفاق التنموي: وجهت الدولة المصرية نحو 700 مليار جنيه لمحافظتي شمال وجنوب سيناء منذ عام 2014 حتى أوائل عام 2026، خاصة في مشروعات البنية التحتية باعتبارها النواة الرئيسية في إنهاء عزلة سيناء عن باقي محافظات الجمهورية، هذا بالإضافة إلى مشروعات في الإسكان والزراعة والصناعة والطاقة، فهناك 58 فرصة استثمارية مستهدفة بقيمة تتجاوز 500 مليون جنيه خلال عام 2026، وهو ما يُعد ضمن إستراتيجية وطنية لدمج سيناء بشكل كامل في الاقتصاد القومي.
(-) التنمية الزراعية: تُعد التنمية الزراعية من أهم مجالات التنمية في سيناء، فكما يوضح شكل (1) ارتفعت الرقعة الزراعية من 103 آلاف فدان في عام 2014 إلى 285 ألف فدان في عام 2024، بنسبة 176.7%، وهي نسبة تُعبر عن الاهتمام الكبير للدولة المصرية بالقطاع الزراعي في سيناء، كما أن الخطط تتجه إلى زيادة الرقعة الزراعية بنحو 156.5 ألف فدان في عام 2026.
وتضمنت التنمية الزراعية في سيناء العديد من المشروعات، منها مشروع "تنمية سيناء" والذي تصل مساحته الإجمالية 1.1 مليون فدان، منها 285 ألف فدان مساحة مُنزرعة، هذا بالإضافة إلى إنشاء 18 تجمعًا زراعيًا بإجمالي 2122 أسرة مستفيدة.
وكانت هذه المشروعات الزراعية تعتمد على المياه المُعالَجة والمُحلاة والجوفية، فقد تم تنفيذ نحو 13 مشروعًا لمعالجة مياه الصرف الصحي والزراعي بطاقة 7 ملايين متر مكعب يوميًا، ومن أبرز هذه المحطات، محطة معالجة مصرف بحر البقر بطاقة إنتاجية 5.6 مليون متر مكعب يوميًا، هذا بالإضافة إلى محطة معالجة مصرف المحسمة بطاقة إنتاجية مليون متر مكعب يوميًا، كما استكملت الدولة مآخذ مياه الري بترعة الشيخ جابر؛ لاستصلاح 90 ألف فدان بمنطقتي رابعة وبئر العبد.
وفي هذا النطاق أنفقت الدولة المصرية على مشروعات الاستزراع السمكي بشكل كبير في سيناء، إذ قُدّرت تكلفة إنشاء 8 قرى للصيادين بنحو 3.5 مليار جنيه، بينما قُدرت تكلفة تنمية بحيرة البردويل نحو 120 مليون جنيه، وتكلف تطوير ميناء الصيد البحري في مدينة طور سيناء بالعريش نحو 72 مليون جنيه، ويُعتبر هذا التوجيه للاستثمارات كفاءة كبيرة في الإنفاق الحكومي؛ لأنه يعمل على رفع القيمة المضافة لشبه جزيرة سيناء.
وتضمنت أهم مشروعات الاستزراع السمكي في سيناء، مشروع الفيروز الذي يضم ما يقرُب من 5900 حوض سمكي، حيث يقع في شرق بورسعيد وسيناء، ومزرعة أم شيخان السمكية التي تقع في شمال سيناء.
(-) التنمية الصناعية: حققت الدولة المصرية طفرة تنموية في القطاع الصناعي بسيناء، إذ ارتفعت الاستثمارات العامة الموجهة لتنفيذ مشروعات في سيناء نحو عشرة أضعاف منذ عام 2014، إذ ارتفعت من 5.9 مليار جنيه إلى 58.8 مليار جنيه في عام 2024.
وبلغت تكلفة إنشاء مجمع الرخام بمنطقة " الجفجافة" بوسط سيناء نحو 805 ملايين جنيه بطاقة 3 ملايين متر مربع سنويًا، كما بلغت تكلفة إنشاء مصنع إنتاج الرخام والجرانيت برأس سدر نحو 727 مليون جنيه، ووصل عدد المنشآت الصناعية المُسجلة في سيناء إلى 79 منشأة، أبرزها مجمع أسمنت العريش، والمجمع الصناعي بمنطقة أبو زنيمة، ويبلُغ قيمة إنتاج جميع المنشآت المُسجلة نحو 12 مليار جنيه.
وتشمل المشروعات أيضًا إقامة قواعد صناعية داخل سيناء ومدن القناة، حيث بلغت تكلفة مجمع الصناعات الصغيرة بجنوب الرسوة 403 ملايين جنيه، إذ يضم 118 وحدة موجهة للصناعات الكيماوية والهندسية والغذائية والغزل والنسيج.
وفي شهر أبريل 2026، وجهت الدولة استثمارات بنحو 530 مليون جنيه لافتتاح مصنع سيناء الوطنية للصناعات البلاستيكية في المنطقة الصناعية ببئر العبد، وهو الذي يُعد أول مصنع في هذه المنطقة، يعمل على دعم النشاط الاقتصادي المحلي وتعزيز حركة الإنتاج الصناعي في سيناء، خاصة مع تيسير الاستثمار من خلال مكتب ترخيص موحد وشباك خاص بالمراكز التكنولوجية.
(-) التنمية الطاقوية: شهدت سيناء طفرة كبيرة في مجال الطاقة، فقد بلغ إجمالي استثمارات قطاع نقل الطاقة في سيناء نحو 24 مليار جنيه؛ لدعم التغذية الكهربائية اللازمة لمشروعات التنمية الزراعية والصناعية، خاصة محطة توليد كهرباء عيون موسى، التي بلغت تكلفة توسعتها وإنشاء الخط الكهربائي بها نحو 2.8 مليار جنيه، هذا بالإضافة إلى تنفيذ نحو 3517 كيلو متر دوائر باستثمارات تُقدر بنحو 15 مليار جنيه.
وبالإضافة إلى ذلك، توجد في سيناء محطة كهرباء " الشباب الجديدة" بطاقة إنتاجية 1500 ميجاوات، ومحطة كهرباء شرم الشيخ التي تبلُغ طاقتها الإنتاجية نحو 288 ميجاوات، ومحطة العريش للغاز بقدرة 250 ميجاوات، ومحطة العريش البخارية بقدرة 320 ميجاوات، كما أُنشئت محطات عملاقة مثل محطة سانت كاترين بجهد 220 كليو فولت، فضلًا عن خطوط نقل الطاقة الكهربائية سواء خطوط هوائية أو كابلات أرضية؛ لخدمة المناطق التنموية الجديدة.
ومن الجدير بالذكر هنا أن المقومات الطبيعية في سيناء جعلتها موطن لمشروعات الطاقة المتجددة، فهناك محطة " أبو غراقد" للطاقة الشمسية، فضلًا عن مقترح من قبل مجموعة "رينيرجي" بإنشاء مجمعات طاقة شمسية بقدرة 15 ألف جيجا وات، ومحطات ضخ وتخزين بقدرة 4400 ميجاوات بمنطقة جبل الطور، وهو ما يوازي تقريبًا قدرات محطة الضبعة النووية.
(-) التنمية السياحية: طورت الدولة المصرية قطاع السياحة في سيناء ضمن الإستراتيجية الشاملة للتنمية، إذ أنها قامت بتطوير قصر ثقافة شرم الشيخ بتكلفة 38 مليون جنيه، وتطوير قصر ثقافة العريش بتكلفة 35 مليون جنيه، هذا فضلًا عن إنشاء متحف شرم الشيخ بتكلفة 812 مليون جنيه، وإنشاء ممشى أهل مصر بمدينة طور سيناء بتكلفة 10 ملايين جنيه، بجانب عمليات التطوير الشاملة لمدينة شرم الشيخ؛ لتحويلها إلى مدينة سياحية مستدامة.
بالإضافة إلى ذلك، أحيت الدولة المصرية مسار العائلة المقدسة والذي يبدأ من شمال سيناء، كما أن الدولة تضخ أكثر من نصف مليار جنيه لتحويل مدينة سانت كاترين إلى مقصد عالمي للسياحة الروحية والبيئية والثقافية، في إطار مشروع" التجلي الأعظم"، حيث تستعد المحافظة إلى التشغيل التجريبي لـ 100 وحدة فندقية وسكنية.
(-) المشروعات الصحية والتعليمية: وجهت الدولة المصرية اهتمامًا محوريًا نحو المشروعات الصحية والتعليمية، باعتبارها مشروعات تخص العنصر البشري، الذي يُعتبر أساس التنمية، ففي الصحة تم إنشاء مجمع السويس الطبي الذي يخدم مدن القناة وشمال سيناء، وإنشاء وتطوير 58 مستشفى و171 مركزًا ووحدة صحية، فضلًا عن إطلاق منظومة التأمين الصحي الشامل في جنوب سيناء وبورسعيد والإسماعيلية والسويس، ومن المُقرر أن تدخل مستشفى نويبع التخصصي الخدمة خلال العام الجاري، كأول مستشفى حكومي أخضر بشرم الشيخ.
وفي التعليم، زاد عدد المدارس من 2530 مدرسة في عام 2014 إلى 3094 في عام 2024، ويوجد في محافظة شمال سيناء فقط نحو 537 مدرسة، وبالإضافة إلى ذلك تم إنشاء 7 مدارس يابانية في سيناء ومدن القناة، بجانب إنشاء 4 مدارس تكنولوجية تطبيقية، كما ارتفع عدد الجامعات الحكومية والخاصة إلى 6 بدلًا من 4 جامعات، بجانب 4 جامعات أهلية.
(-) مشروعات التنمية العمرانية: نفذت مصر آلاف المشروعات في مجال الإسكان، فقد تم تنفيذ 48.2 ألف وحدة إسكان اجتماعي، بالإضافة إلى تنفيذ 54.5 ألف وحدة إسكان اجتماعي؛ لتطوير العشوائيات، كما تم تنفيذ 4259 بيتًا بدويًا، وإنشاء 18 تجمعًا تنمويًا بمحافظتي شمال وجنوب سيناء، بالإضافة إلى ذلك يتم الإعداد خلال عام 2026 لتنفيذ 976 وحدة سكنية جديدة برأس سدر ودهب ضمن " سكن لكل المصريين".
وفيما يتعلق بمشروعات الصرف الصحي والشرب، فقد تم تنفيذ 55 مشروعًا لمياه الشرب، فضلاً عن 34 محطة تحلية مياه البحر لتصل إلى 49 محطة، مقارنة بـ15 محطة في عام 2014، وبالإضافة إلى ذلك تم تنفيذ 79 مشروعًا للصرف الصحي بشكل رفع نسبة تغطية شبكات الصرف الصحي إلى 78%، مقارنة بـ17.3% في عام 2014، وهي النسب التي سترتفع مع تطوير منظومة المياه بطابا ونوبيع ورأس سدر وسانت كاترين، وإنشاء مأخذ بحري جديد بطاقة 35 ألف م3 يوميًا في جنوب سيناء.
انعكاسات اقتصادية
يترتب على مشروعات التنمية التي قامت بها الدولة في سيناء العديد من المردودات الاقتصادية، والتي تمثلها النقاط التالية:
(*) ارتفاع مؤشر التنمية المستدامة: إن اهتمام الدولة المصرية بتنمية سيناء ترتب عليه تحقيق التنمية المتوازنة بين محافظات مصر، فالقاعدة الأساسية في الوصول إلى التنمية المستدامة هي إحداث التوازن في تحقيق التنمية بين المحافظات المختلفة، فتركُز مشروعات التنمية في بعض المحافظات دون غيرها، يؤثر على مؤشر التنمية داخل الدولة.
(*) تخفيض معدلات البطالة في المدن: ترتب على افتقار سيناء لعوامل التنمية أنها كانت منطقة طاردة للسكان؛ بحثًا عن فرص العمل والفرص التعليمية، والخدمات الصحية الأفضل، ولكن مع توجه الدولة عقب عام 2014 إلى توطين المشروعات التنموية بمجالاتها المختلفة أصبحت سيناء تمتلك جميع مقوماتها.
وبالتالي لم تعُد المدن ينتقل إليها سكان من سيناء؛ للبحث عن فرص عمل والخدمات الأخرى، وهو الأمر الذي انعكس على انخفاض معدلات البطالة في المدن، ومن ثم على المستوى العام للبطالة في مصر كما يوضح شكل (2)، إذ انخفضت من 7.1% في الربع الأول 2023 إلى 6.2% في الربع الرابع 2025.
(*) زيادة معدلات الاستثمار: إن الإستراتيجية الشاملة للدولة المصرية في تعزيز الأمن القومي ودمج سيناء بشكل فعَّال في الاقتصاد الوطني، ستعمل على تحقيق طفرة استثمارية داخل مصر، فالاستثمار ينجذب إلى الدول التي تنعم بالاستقرار والتنمية الحقيقية، وهو ما جسدته مصر بشكل واقعي من خلال تطبيق سياسات التنمية في سيناء ومدن القناة، ما جعل المؤسسات الدولية تشيد بجهود التنمية هذه، مثل إشادة مؤسسة "فيتش سولوشنز" التي وصفت إنشاء ميناء بحري في طابا بالخطوة الإستراتيجية ضمن جهود تحويل سيناء إلى مركز لوجيستي رئيسي يربط بين البحر الأحمر والمتوسط، وهو الأمر الذي يعطي صورة إيجابية عن مناخ الاستثمار في مصر.
(*) تحقيق النمو الاقتصادي: إن زيادة المشروعات الإنتاجية في شبه جزيرة سيناء يعمل على رفع القيمة المضافة للمنطقة، وارتفاع مساهمتها في الناتج المحلي الإجمالي، فهذه المشروعات تعمل على جذب الاستثمارات إلى سيناء، وبالتالي ستُساهم المحافظة في الإنتاج المحلي والتصدير، فالموقع الاستراتيجي لسيناء يجعلها بوابة تصدير رئيسية، وهو الأمر الذي يرفع معدل النمو الاقتصادي لمصر.
وفي النهاية، يُمكن القول إن الدولة المصرية وضعت نصب أعيُنها تحقيق التنمية الشاملة في سيناء بعد عام 2014، من خلال خطة تنفيذية متكاملة، تُحدد الهدف من المشروعات المختلفة ومدتها التنفيذية، وهو ما عمل على تحقيق طفرة تنموية في سيناء ومدن القناة، وكانت التنمية الاقتصادية التي شهدتها سيناء متوازية مع سياسات الدولة بتطهيرها من الإرهاب، فالإرهاب يتوطن في المحافظات فقيرة التنمية، وهو ما أدركته مصر بشكل فعال للغاية.