شهدت شبه جزيرة سيناء خلال العقد الذي أعقب ثورة 25 يناير 2011 تحولًا أمنيًا حادًا، حيث تزايد نشاط التنظيمات الإرهابية مستغلة الطبيعة الجغرافية المعقدة للمنطقة وضعف الانتشار الأمني في بعض الفترات. وبحلول عام 2014، برز تنظيم "داعش" الإرهابي كأخطر الفاعلين، مستهدفًا قوات الجيش والشرطة فضلًا عن استهدافات متكررة للبنى التحتية. وتشير بيانات رسمية صادرة عن القوات المسلحة المصرية إلى أن هذه المرحلة شهدت تصاعدًا في استخدام العبوات الناسفة والسيارات المفخخة، ما فرض تحديًا أمنيًا يتطلب أدوات مواجهة مختلفة.
في هذا السياق، بدأت الدولة المصرية منذ عام 2013 في إعادة بناء إستراتيجيتها لمكافحة الإرهاب في سيناء، عبر تنفيذ عمليات عسكرية متدرجة، مثل عمليتي "حق الشهيد" (2015–2017)، وصولًا إلى إطلاق العملية الشاملة سيناء 2018 في 9 فبراير 2018، والتي مثلت أكبر عملية متكاملة في تاريخ مكافحة الإرهاب في مصر.
وتميزت هذه العملية بمشاركة متزامنة لكل أفرع القوات المسلحة، إلى جانب وزارة الداخلية، وبامتدادها الجغرافي الذي شمل شمال ووسط سيناء، مع إجراءات موازية في الاتجاهات الإستراتيجية الأخرى لتجفيف منابع الدعم اللوجستي، ووفق البيانات العسكرية الرسمية، استهدفت العملية القضاء على البنية التحتية للتنظيمات الإرهابية، وتأمين الحدود، وإعلان سيناء خالية من الإرهاب.
تأسيسًا على ما تقدم، يسعى التحليل للإجابة عن سؤال: كيف نجحت الدولة المصرية في تطهير سيناء من الإرهاب؟
جهود متكاملة
انطلقت جهود الدولة المصرية في مواجهة الإرهاب في سيناء من إدراكٍ إستراتيجي لطبيعة التهديد، ما دفعها إلى تبني مقاربة شاملة تجمع بين الحسم العسكري والعمل الاستخباراتي والتنمية المتوازنة.
(-) التخطيط الإستراتيجي الشامل للعملية: اعتمدت الدولة المصرية على تخطيط إستراتيجي دقيق عند إطلاق العملية الشاملة سيناء 2018، فلم تكن مجرد رد فعل على هجمات إرهابية، بل جاءت في إطار رؤية متكاملة تهدف إلى القضاء على الإرهاب بشكل جذري.
وتميز هذا التخطيط بالشمولية، إذ امتد ليشمل مختلف الاتجاهات الإستراتيجية داخل الدولة، بما يمنع انتقال العناصر الإرهابية أو إعادة تمركزها، كما اعتمد على مبدأ الاستمرارية، بحيث يتم الضغط على التنظيمات الإرهابية بشكل متواصل دون منحها فرصة لإعادة التنظيم.
(-) التكامل بين المؤسسات العسكرية والأمنية: أحد أهم عوامل النجاح تمثل في التنسيق الكامل بين القوات المسلحة ووزارة الداخلية والأجهزة الاستخباراتية، فقد عملت هذه المؤسسات ضمن منظومة واحدة، ما أدى إلى تكامل الأدوار وتبادل المعلومات بشكل سريع وفعال، وأسهم هذا التكامل في تنفيذ عمليات دقيقة ومنظمة، وبالتالي حرمان التنظيمات الإرهابية من استغلال أي فجوات محتملة.
(-) الحسم العسكري وتكتيكات المكافحة: مثَّل البعد العسكري الركيزة الأساسية في المواجهة، حيث نفذت القوات المسلحة عمليات تمشيط واسعة باستخدام وحدات النخبة المدربة على حرب العصابات، واعتمدت هذه العمليات على تكتيكات مثل تطويق البؤر الإرهابية وعزلها، ومنع تحرك العناصر التكفيرية، كما تم إنشاء نقاط ارتكاز أمنية لضمان السيطرة المستمرة على مناطق العمليات، وهو ما أسهم في تقليص المساحات التي تتحرك فيها التنظيمات الإرهابية.
(-) التفوق الاستخباراتي واستخدام التكنولوجيا: لعبت المعلومات الاستخباراتية دورًا حاسمًا في نجاح العمليات، حيث اعتمدت الدولة على جمع معلومات دقيقة حول تحركات العناصر الإرهابية وقياداتها، وتم توظيف التكنولوجيا الحديثة، مثل المراقبة الجوية وأنظمة الاتصالات، في دعم هذه الجهود، وقد أسهم ذلك في تنفيذ ضربات استباقية دقيقة قللت من الخسائر ورفعت كفاءة العمليات.
(-) تجفيف منابع التمويل وقطع خطوط الإمداد: ركزت الدولة على ضرب البنية الاقتصادية للتنظيمات الإرهابية، من خلال تدمير الأنفاق التي كانت تُستخدم في تهريب الأسلحة والعناصر، وتشديد الرقابة على الحدود، كما تم استهداف الأنشطة غير المشروعة التي كانت تمثل مصدرًا لتمويل الإرهاب، مثل تجارة المخدرات وتهريب الوقود، وأدى ذلك إلى إضعاف القدرة اللوجستية للجماعات الإرهابية، وجعلها أقل قدرة على الاستمرار.
(-) كسب دعم المجتمع المحلي: حرصت الدولة المصرية على تعزيز علاقتها بأهالي سيناء، باعتبارهم شريكًا أساسيًا في مكافحة الإرهاب، وأسهم هذا التعاون في توفير معلومات ميدانية دقيقة، ساعدت في كشف العديد من البؤر الإرهابية، كما أدى ذلك إلى حرمان التنظيمات الإرهابية من أي ملاذات آمنة كانت تحاول استغلالها.
(-) التركيز على التنمية كأداة فعّالة: إلى جانب الجهود الأمنية، تبنت الدولة سياسة تنموية شاملة في سيناء، شملت تطوير البنية التحتية وتنفيذ مشروعات قومية توفر فرص عمل للسكان، وأسهمت هذه الجهود في تحسين مستوى المعيشة، وتقليل معدلات البطالة، وهو ما أدى إلى تعزيز الاستقرار على المدى الطويل وتقويض البيئة الحاضنة للتطرف.
نتائج المواجهة
أسفرت العملية الشاملة "سيناء 2018" عن تحولات نوعية في المشهد الأمني بسيناء، وانعكست نتائجها في القضاء على التنظيمات الإرهابية، وتمثلت تلك النتائج في التالي:
(*) قصف وتدمير البنى التحتية الإرهابية: أعلنت القوات المسلحة عن تدمير 158 هدفًا بواسطة القوات الجوية، إلى جانب 413 هدفًا بواسطة المدفعية، شملت أوكارًا ومخازن تمركُز للعناصر الإرهابية، ويعكس هذا الرقم حجم الاعتماد على القوة النيرانية الدقيقة في استهداف البنية التحتية للتنظيمات الإرهابية، بما أدى إلى تقليص قدرتها على إعادة التموضع أو التخفي داخل مناطق العمليات.
(*) القضاء على العناصر الإرهابية: وثقت القوات المسلحة المصرية في 31 بيانًا نتائج العملية الشاملة 2018 بالقضاء على أكثر من 491 عنصرًا تكفيريًا، وتُظهر هذه الأرقام أن العمليات لم تعتمد فقط على الاستهداف الجوي، بل امتدت إلى اشتباكات مباشرة على الأرض، في إطار إستراتيجية تطويق البؤر الإرهابية ومداهمتها بشكل تدريجي ومنظم.
(*) أما على مستوى الضبط والقبض على العناصر الإجرامية: فقد تم القبض على 4738 فردًا ما بين عناصر إجرامية ومطلوبين جنائيًا ومشتبه في دعمهم للعناصر التكفيرية، وأوضحت البيانات الرسمية أنه تم الإفراج عن عدد كبير منهم بعد استكمال الإجراءات القانونية وثبوت عدم تورطهم، مع إعادة متعلقاتهم الشخصية، وهو ما يعكس التزام الدولة بإجراءات قانونية دقيقة في إدارة ملف مكافحة الإرهاب.
(*) وفي سياق تفكيك البنية التنظيمية والإدارية للجماعات الإرهابية: تم تدمير 1282 وكرًا ومخزنًا كانت تستخدم في الإيواء وتخزين الأسلحة والذخائر والمواد المستخدمة في تصنيع العبوات الناسفة، كما تم اكتشاف وتدمير مركزين إعلاميين ومركزي إرسال كانت تستخدمها العناصر الإرهابية في بث الدعاية والتواصل والتنسيق، وهو ما أدى إلى إضعاف قدرتها على إدارة العمليات أو نشر خطابها الدعائي.
(*) وفي جانب العبوات الناسفة والمتفجرات: نجحت القوات المسلحة في اكتشاف وتدمير 393 عبوة ناسفة، إلى جانب كميات كبيرة من المواد شديدة الانفجار مثل مادة C4 وTNT، ما أسهم في تقليل التهديد المباشر للقوات خلال التحركات الميدانية.
(*) أما في ما يتعلق بـوسائل الحركة والدعم اللوجستي: فقد تم اكتشاف وتدمير وضبط 112 عربة و269 دراجة نارية كانت تستخدمها العناصر الإرهابية في التنقل، إضافة إلى ضبط وتدمير 14 عربة دفع رباعي محملة بالأسلحة والذخائر على الاتجاه الإستراتيجي الغربي، فضلًا عن ضبط 99 بندقية خرطوش، وهو ما يشير إلى استهداف شامل لمنظومة الحركة والتسليح لدى التنظيمات الإرهابية.
(*) وفي إطار تأمين الحدود: تمكنت قوات حرس الحدود والمهندسين العسكريين من اكتشاف وتدمير مئات الأنفاق التي كانت تُستخدم في التسلل وتهريب الأسلحة والعناصر، وهو ما يمثل ضربة مباشرة لشبكات الدعم الخارجي للتنظيمات الإرهابية.
(*) كما امتدت العمليات إلى مكافحة الأنشطة غير المشروعة المرتبطة بتمويل الإرهاب: حيث تم تدمير 53 مزرعة لنبات البانجو، وضبط نحو 39.3 طن من المواد المخدرة، بالإضافة إلى 2 مليون و100 ألف قرص مخدر، ما يعكس ارتباط بعض الأنشطة الإجرامية بتمويل العمليات الإرهابية بشكل غير مباشر.
(*) وعلى المستوى البشري: أسفرت المواجهة مع الإرهاب في الفترة من 2013 إلى 2022 عن استشهاد 3277 شخصًا وإصابة 1200 آخرين من المواطنين وأفراد القوات المسلحة والشرطة المدنية حسب كلمة الرئيس عبدالفتاح السيسي خلال حفل إفطار الأسرة المصرية في 26 أبريل 2022، وهو ما يعكس شدة المواجهات وطبيعة العمليات عالية الخطورة، حيث تمت الإشارة رسميًا إلى هذه التضحيات ضمن البيانات العسكرية، تقديرًا لدورهم في تنفيذ المهام القتالية.
ختامًا، يمكن القول إن نجاح الدولة المصرية في تطهير سيناء من الإرهاب جاء نتيجة إستراتيجية متكاملة جمعت بين الحسم العسكري، والتفوق الاستخباراتي، والتنمية الاقتصادية، والتعاون المجتمعي، ومثَّلت العملية الشاملة سيناء 2018 نقطة التحول الحاسمة التي أسهمت في تفكيك التنظيمات الإرهابية.
ومع ذلك فإن الحفاظ على هذه المكاسب يتطلب استمرار الجهود الأمنية والتنموية، بما يضمن ترسيخ الاستقرار ومنع عودة الإرهاب، ويعزز من قدرة الدولة على مواجهة التحديات المستقبلية.