الموقع الرسمي | القاهرة الاخبارية

ما أهمية سيناء في أجندة الأمن القومي المصري؟

  • مشاركة :
post-title
شبه جزيرة سيناء

القاهرة الإخبارية - ضياء نوح

احتلت شبه جزيرة سيناء مكانة خاصة في الفكر الإستراتيجي المصري؛ نظرًا لثراء تاريخها العسكري وباعتبارها البوابة الرئيسية للغزاة على مر العصور، كما أنها مفتاح توسع الدولة القديمة في سياق تأمين العمق المصري في دلتا ووادي النيل من مسار التهديدات القادمة من الاتجاه الشمالي الشرقي، ولعل التعبير الأبرز عن تلك الحقيقة ما ذكره المفكر والجغرافي الكبير د. جمال حمدان في كتاب "سيناء في الإستراتيجية والسياسة والجغرافيا": "إن تراب سيناء قد امتزج بالدم المصري المُدافِع ربما أكثر من أي رقعة أخرى مماثلة من التراب الوطني، فحيث كان ماء النيل هو الذي يروي الوادي، كان الدم المصري هو الذي يروي رمال سيناء".

وتأسيسًا على ما سبق؛ يتناول الطرح التالي أهمية الموقع الحيوي لشبه جزيرة سيناء، وارتداداته على سياسة مصر الخارجية وإستراتيجية أمنها القومي.

صمام الأمن القومي المصري

ظلت سيناء معبرًا للخطر، كما هي موطنًا للفرص، إذ حظيت كتابات المؤرخين والقادة والمنظرين السياسيين بالأطر الحاكمة لعلاقة سيناء بباقي المعمور المصري، لكن هذا الإدراك شهد تحولًا جوهريًا عبر ترجمته إلى رؤية إستراتيجية متكاملة الأبعاد وصولًا إلى لحظة التنمية الشاملة وربط سيناء بمدن القناة. ويمكن الوقوف على أهمية ذلك على النحو التالي:

(*) خط الدفاع: أبرزت العديد من الإسهامات السياسية والفكرية والمواجهات العسكرية مع الاحتلال البريطاني وجيش الاحتلال الإسرائيلي أن سيناء هي خط الدفاع الأول عن مدن القناة ودلتا النيل وعن كيان الدولة المصرية ككل، فعلى مر العصور ارتبط الاستقرار السياسي بوجود نفوذ وحضور مصري في الجوار الجغرافي الشرقي بصورة دفاعية خلال الدولة المصرية القديمة، واكتسب هذا الحضور إطارًا شرعيًا وقانونيًا منذ إنشاء النظام الإقليمي العربي عقب الحرب العالمية الثانية في صورة الدفاع العربي المشترك أو في إطار الوحدة بين مصر وسوريا.

وفي أعقاب ثورتي 2011 و2013، تحملت شبه جزيرة سيناء القسط الأكبر من المواجهات مع التنظيمات الإرهابية، وهو ما شدد عليه الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي في العديد من التصريحات في أعقاب إطلاق العملية الشاملة سيناء 2018، وخلال لقاء مع الإعلاميين على هامش جولة تفقدية في توشكى في أبريل 2022، بالقول إن "حجم البنية التحتية للإرهاب في سيناء كان ضخمًا للغاية وجرى التخطيط له قبل 2011 بخمس أو ست سنوات".

وأبرزت تطورات الصراع الفلسطيني الإسرائيلي في فصوله المتعددة من المطامع الإسرائيلية في تهجير الفلسطينيين من الأراضي المحتلة وإعادة توطينهم في سيناء، وهو ما برز في العديد من الخطط العسكرية والتصريحات السياسية العلنية حول تهجير أهالي غزة إلى الأراضي المصرية.

(*) العمق الإستراتيجي: يخلق موقع سيناء ميزة إستراتيجية فريدة لمصر، بجانب كونها قلب العالم العربي، فهي نقطة اتصال حيوية بمنطقتي الشام والخليج، فعلى الصعيد الاقتصادي برزت سيناء كحلقة وصل في منظومة البنية التحتية العربية للطاقة من خلال خط الغاز العربي من العريش إلى الأردن وسوريا ولبنان، ومشروعات الربط الكهربائي عبر الخطوط الهوائية مع السعودية من خلال ربط محطات محولات من مدينة بدر في مصر، مرورًا بمحطة "سكاكين طابا 2" إلى تبوك وشرق المدينة المنورة في السعودية بطول 1350 كم وطاقة إنتاجية تبلغ 3 آلاف ميجاوات، ومن خلال الكابلات البحرية مع الأردن عبر خليج العقبة بطول 13 كم وبقدرة إجمالية تبلغ 550 ميجاوات.

وتوفر سيناء متنفسًا إنسانيًا وتجاريًا رئيسيًا لقطاع غزة الفلسطيني، ما أسهم في تحويله خلال حرب الإبادة الإسرائيلية إلى شريان حيوي للإمدادات الإنسانية والطبية للقطاع من خلال شبكة الموانئ البحرية والجوية ومرافق البنية التحتية لنقل مياه الشرب المحلاة. كما عمل الهلال الأحمر المصري على تنظيم حركة استقبال المساعدات الإنسانية الموجهة للقطاع من مختلف دول العالم من خلال تدشين مركز لوجيستي في منطقة العريش.

(*) أولوية تنموية ودفاعية: تضاعفت الأهمية الإستراتيجية لمشروعات تنمية سيناء في أعقاب المواجهة مع الإرهاب، في ظل إدراك القيادة السياسية منذ 2014 أن استمرار الخلل الديمغرافي وغياب بنية تحتية حيوية لربط شمال وجنوب سيناء بمدن القناة والدلتا إلى جانب الطبيعة الجبلية للمنطقة، هي نقاط ضعف أسهمت في انتشار الإرهاب ومطامع الاحتلال ومشروعات التهجير في تلك البقعة من الأراضي المصرية التي يشار إليها بوصف "قدس أقداس مصر".

ومن هذا المنطلق، ارتكزت خطط التنمية بشبه جزيرة سيناء على وجهين رئيسيين وهي مد الطرق والبنى التحتية لربط شبه الجزيرة بمدن القناة ودلتا النيل كأولوية تنموية ودفاعية، وتعظيم الاستفادة الجيواقتصادية من موقع سيناء وإقليم القناة في قطاعات الطاقة والتجارة الإقليمية في إطار خطط القاهرة للتحول إلى مركز إقليمي للطاقة واللوجيستيات، وهو ما يُجهض في المقابل أي مشروعات موازية تستهدف النيل من موقع مصر الحيوي بصفة عامة، أو لسيناء وقناة السويس بصفة خاصة.

وإجمالًا؛ تكتسب ذكرى تحرير سيناء أهمية خاصة في تاريخ الجمهورية الجديدة، نظرًا لتغير الإدراك الإستراتيجي للقيادة السياسية لأهمية استغلال موقع شبه جزيرة سيناء باعتبارها الدعامة الرئيسية للأمن القومي المصري وقاعدة رئيسية لتعزيز الاقتصاد القومي ورفده بموارد المنطقة، فضلًا عن تعزيز موقعها كهمزة وصل إستراتيجية تربط مصر بعمقها العربي في المشرق والخليج العربيين، وليست عازلًا جغرافيًا عن المعمور المصري في الدلتا ووادي النيل.