تستند عائلة كيم في شرعية حكمها لكوريا الشمالية على ما يعرف بـ"سلالة جبل بايكتو"، التي تعد السلالة المقدسة، تُنسج حول أفرادها روايات تمجد تاريخهم وتكرس صورة العائلة الحاكمة باعتبارها قدَرًا لا يمكن المساس به
ووسط هذه الدعاية الأسطورية الضخمة، يبرز اسم غائب بشكل لافت، وهو "كو يونج هوي" والدة الزعيم الحالي كيم جونج أون، على الرغم من أن نساء أخريات من العائلة الحاكمة يحظين بألقاب ثورية وتماثيل وروايات رسمية، إلا أن والدة كيم جونج أون اختفت من الخطاب الرسمي تقريبًا، على الرغم من أنها أنجبت الرجل الذي يقود البلاد منذ أكثر من عقد.
فعلى عكس زوجة مؤسس كوريا الشمالية كيم إيل سونج، ووالدة الزعيم الراحل كيم جونج إيل، اللتين تحظيان بمكانة بارزة في الدعاية الرسمية باعتبارهما شخصيتين ثوريتين، لم تنل كو يونج هوي أي تكريم رسمي مماثل، ولم تمنح المكانة الرمزية التي تحظى بها نساء العائلة الحاكمة.
ويربط النظام الكوري الشمالي شرعية أسرة كيم بما يسميه "سلالة جبل بايكتو"، وهي رواية دعائية تصور العائلة الحاكمة باعتبارها ذات نسب استثنائي ومقدر له قيادة البلاد، مستندة إلى جبل بايكتو الذي يحتل مكانة خاصة في الأساطير الكورية بوصفه مهد الأمة.
لكن التقارير تشير إلى أن كو يونج هوي ولدت عام 1952 في مدينة أوساكا اليابانية لعائلة كورية تعود أصولها إلى جزيرة جيجو، التي تقع اليوم ضمن كوريا الجنوبية. وانتقلت مع أسرتها إلى كوريا الشمالية في طفولتها ضمن برنامج لإعادة توطين الكوريين المقيمين في اليابان.
ويرى محللون أن هذه الخلفية شكلت معضلة للنظام، إذ إن ولادتها خارج كوريا الشمالية، إضافة إلى أصولها المرتبطة باليابان، قد تتعارض مع الصورة التي يسعى النظام إلى ترسيخها حول "نقاء" السلالة الحاكمة.
وعملت كو يونج هوي راقصة في فرقة "مانسوداي" الفنية، إحدى أبرز الفرق التابعة للدولة، وهناك تعرف عليها الزعيم الراحل كيم جونج إيل، الذي ارتبط بها رغم زواجه الرسمي من كيم يونج سوك. وأنجب منها ثلاثة أبناء، من بينهم كيم جونج أون، إلا أن العلاقة لم تكن زواجا رسميا، وهو ما جعل أبناءها يولدون خارج إطار الزواج الرسمي.
وعاشت "كو" مع أطفالها في مدينة وونسان الساحلية، بعيدا عن العاصمة بيونج يانج التي أقامت فيها الزوجة الرسمية لـ كيم جونج إيل، بينما استمرت حياتها بعيدة إلى حد كبير عن الأضواء الرسمية.
وفي عام 2004، توفيت كو يونج هوي متأثرة بإصابتها بسرطان الثدي أثناء تلقيها العلاج في أحد مستشفيات باريس، إلا أن وسائل الإعلام الرسمية في كوريا الشمالية لم تعلن وفاتها أو تتناول سيرتها بشكل علني.
ويظل وصول كيم جونج أون إلى السلطة من أكثر الملفات غموضًا في تاريخ كوريا الشمالية الحديث. فقد كان شقيقه غير الشقيق كيم جونج نام يُنظر إليه لفترة طويلة باعتباره الوريث الأقرب، قبل أن تتراجع مكانته إثر انتقاداته لنظام توريث السلطة داخل العائلة الحاكمة. وعاش لاحقًا في المنفى قبل أن يُقتل في ماليزيا عام 2017 باستخدام غاز الأعصاب السام "في إكس"، وفق نتائج التحقيقات الماليزية.
كما طرح اسم شقيق كيم جونج أون الأكبر، كيم جونج تشول، ضمن المرشحين المحتملين لخلافة والده، إلا أن تقارير وتصريحات منشقين كوريين شماليين أشارت إلى أنه استُبعد من المنافسة لأسباب شخصية، وهي روايات لم تؤكدها بيونج يانج رسميًا.
وفي ظل استبعاد المنافسين المحتملين، يرجح عدد من الخبراء أن كو يونج هوي لعبت دورا في تعزيز فرص ابنها كيم جونج أون ليصبح وريثا للسلطة، رغم أن طبيعة هذا الدور لا تزال محاطة بالسرية، في ظل شح المعلومات الموثوقة عن الدائرة الداخلية للنظام الكوري الشمالي.
وتبقى قصة كو يونج هوي مثالًا على التناقض بين الرواية الرسمية التي يروّج لها النظام حول "السلالة المقدسة" وبين بعض الجوانب الشخصية لعائلة كيم، وهي جوانب لا تزال تخضع لتكتم شديد، ما يجعل كثيرًا من تفاصيلها يعتمد على شهادات منشقين وتقارير استخباراتية وتحليلات أكاديمية أكثر من اعتماده على مصادر رسمية من داخل كوريا الشمالية.