سلطت تسريبات موقع أكسيوس الإخباري بشأن مكالمة عاصفة بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، في 1 يونيو 2026، الضوء على الصعوبة التي يواجهها ترامب في ترويض أقرب حلفائه؛ في ظل نزوع نتنياهو لقيادة دفة التصعيد دون الرجوع للحليف الأمريكي، رغم الارتباط العضوي بين الجانبين خلال العهد الحالي، والذي كشفته المواجهتان الأخيرتان مع إيران، والتي شهدت انخراطًا عسكريًا للحليفين بغطاء استخباراتي إسرائيلي، تحمل الجهد الأكبر على الأراضي الإيرانية عبر تقديم المعلومات الاستخباراتية، وتقديم الخطط بالاستفادة من شبكات الجواسيس المحليين والتوظيف المشترك للأصول الاستخباراتية والعسكرية في مناطق قريبة من المسرح الإيراني.
ومنذ تكثيف الضغوط الإقليمية على الإدارة الأمريكية لمنع تصعيد الحرب ونزوعها للتهدئة، انحرف المسار الإسرائيلي لتجنب فرض ترتيبات إقليمية توقف الحرب دون القضاء على أدوات النفوذ الإقليمي لإيران، وعلى رأسها حزب الله اللبناني، مما استدعى تصعيد العدوان على لبنان الدولة، رغم انخراطها في محادثات مباشرة مع إسرائيل برعاية أمريكية.
وتأسيسًا على ما سبق؛ يتناول التحليل التالي قراءة في أبعاد الخلاف بين دونالد ترامب وبنيامين نتنياهو، وحدود تأثيره على جهود وقف الحرب في لبنان.
آفاق التضارب الشخصي
على مدى ثلاثة عقود، كانت خطابات بنيامين نتنياهو ومعرفته بالثقافة السياسية الأمريكية وقدرته على إقناع النخب السياسية، خاصة في أروقة الكونجرس، عاملًا رئيسيًا لنفوذه كأقوى رئيس وزراء إسرائيلي يتمتع بحضور في السياسة الأمريكية، وأكثر زعيم أجنبي يلقي خطابات خلال جلسة مشتركة للكونجرس، بواقع أربعة خطابات في الفترة من 1996 إلى 2024، متفوقًا على رئيس الوزراء البريطاني الأسبق وينستون تشرشل، إلا أن نفوذ نتنياهو بلغ مرحلة أعمق خلال ولايتي دونالد ترامب؛ باعتباره الشريك الأهم للأخير في رسم خطة الولايات المتحدة تجاه الشرق الأوسط عمومًا، والملف الإيراني على وجه الخصوص.
وتفصيلًا لما تقدم، يمكن الوقوف على آفاق التباعد الشخصي بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في عدد من ملفات الشرق الأوسط خلال ولاية ترامب الثانية منذ حرب الاثني عشر يومًا، مرورًا بالتصعيد في سوريا وانتهاءً بحرب إيران الأخيرة والتصعيد "غير المتناسب" في لبنان.
(*) قيادة التحالف: تكمن عقدة الخلاف الرئيسي بين ترامب ونتنياهو في مساعي الأول لمعالجة التسريبات والتحليلات الإعلامية، التي عززت من دور رئيس الوزراء الإسرائيلي في دفع واشنطن للصراع الأكبر مع طهران منذ الانسحاب من الاتفاق النووي في مايو 2018، إلى خوض المشاركة في خوص الحرب على إيران لتدمير البرنامج النووي ومساعي إسقاط النظام باستخدام ورقة المعارضة الكردية الإيرانية المسلحة، قبل أن تتراجع إدارة ترامب عن ذلك المسعى؛ في إطار حماية مصالح واشنطن وعلاقاتها مع حلفائها الإقليميين، وخاصة تركيا، إلى جانب تولي مسؤولية تمثيل مصالح إسرائيل لتجنب قيام الأخيرة باتخاذ إجراءات تصعيدية بدعم وضغط من أوساط الكونجرس الأمريكي وأعضائه الجمهوريين والديمقراطيين الداعمين لإسرائيل.
(*) الالتزام بالمصالح المشتركة: في العديد من محطات الصراع الأخير، وجد ترامب نفسه أمام مفترق طرق بين الاستماع لأطروحات رئيس الوزراء الإسرائيلي لتحقيق النصر الكامل، ويخاطر في المقابل بخسارة الحلفاء العرب والأتراك والاضطرار لاتخاذ خيارات تضر بالحلفاء بصورة مباشرة، إلى جانب الإضرار بوضع القوات الأمريكية في المنطقة، ويخاطر بتوسيع الصراع وامتداد آثاره على قطاع الطاقة، أو أن يسعى لإيجاد مخرج يعزز من صورته كقائد منتصر بعد تصعيد متسارع للتهديدات على غرار تهديده بـ"محو الحضارة الإيرانية"، قبل أن يعلن التراجع عن تنفيذ تلك الضربات قبل انقضاء المهلة بساعتين بوساطة باكستانية.
وخلافًا لتكتيك ترامب التفاوضي، الذي يعتمد على رفع سقف التهديدات من أجل الوصول لتسوية مقبولة، موقف رئيس الوزراء الإسرائيلي يتعمد اتخاذ ردود فعل انتقامية تنال بصفة أساسية من البنية التحتية المدنية دون وجود سقف واضح للتصعيد، وهو ما كان سببًا لمواجهات مباشرة بين الزعيمين في سوريا، يوليو 2025، باستهداف مبنى وزارة الدفاع، وهو ما يأتي مخالفًا للتفاهمات بين ترامب والإدارة الانتقالية السورية، وفي الموقف الأخير، حيال استهداف العاصمة اللبنانية بيروت (استهداف الضاحية الجنوبية)، خلال المكالمة الهاتفية مطلع يونيو الجاري، والتي سبقتها تحذيرات عبر وسائل إعلامية في 29 أبريل 2026؛ حيث أشار ترامب، في تصريحات لموقع "أكسيوس"، إلى أنه أخبر نتنياهو بضرورة التعامل بحذر في جنوب لبنان، وتجنب استهداف مبانٍ سكنية؛ لأن ذلك يضر بصورة إسرائيل عالميًا ويزيد عزلتها الدولية.
(*) احترام التعهدات الشخصية: تتطغى الاعتبارات الشخصية لدى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، فمع تقديره للزعماء الأقوياء على غرار الرئيسين الروسي فلاديمير بوتين والصيني شي جين بينج، تعد التعهدات الشخصية للرئيس الأمريكي محددًا رئيسيًا لبناء الثقة مع الخصوم، وإظهار قدر مماثل من القوة والنفوذ التي ترتبط في الحالة الشرق أوسطية بضمان التحكم في سلوك إسرائيل نتنياهو. هذه العلاقة التبادلية تبرز في تسريبات أكسيوس، التي نقلت عن مسؤول أمريكي أن ترامب شعر بعدم امتنان نتنياهو لمساعدته داخليًا؛ في ظل دعم الرئيس لنتنياهو في مواجهة المؤسسات الإسرائيلية لاستصدار عفو عن رئيس الوزراء الإسرائيل، وأن دعمه للأخير حال دون دخوله السجن في قضايا الفساد التي لا يزال يُحاكم على ذمتها. ويخاطر ترامب، في مقابل تلك التعهدات الشخصية لنتنياهو ولإسرائيل، بتوسيع مظلة السلام الإقليمي معها بتقديم ضمانات للدول العربية والإسلامية بعدم ضم إسرائيل للضفة الغربية؛ في ظل إقدام حكومة نتنياهو على تصعيد غير مبرر وغير متناسب في لبنان وغزة مع احتمالات بتوسيع تلك الاعتداءات على سوريا تحت ذريعة حماية الدروز.
انعكاسات موضوعية
يمثل الاعتماد المفرط على الضمانة الشخصية للرئيس الأمريكي مخاطرة بإحباط أي خطة إقليمية لإحلال السلام، وإنهاء الصراعات في الشرق الأوسط؛ في ظل السلوك التصعيدي الإسرائيلي الذي يتلاعب بمصالح واشنطن وتحالفاتها الإقليمية تحت غطاء "تحييد التهديدات" من جهة، أو في مواجهة مشهد داخلي مأزوم يعزز من نفوذ اليمين الاستيطاني المتطرف في اتخاذ القرارات الأمنية دون إيلاء الاهتمام بمسار السلام.
(&) تباين الحسابات الداخلية: رغم وجود أهداف شبه متماثلة من الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران ووكلائها، فإن الحسابات السياسية الداخلية في الولايات المتحدة وإسرائيل تعد محفزًا لتباعد تكتيكي بين الحليفين؛ فمن جهة نتنياهو، تمثل نهاية الحرب على الحدود في لبنان (وسوريا وغزة) تهديدًا بخسارة "رواية النصر المطلق" وفتح تحقيق في فشل السابع من أكتوبر، بالتوازي مع المراوحة بين جناحي الائتلاف من اليمين الاستيطاني الساعي لاستمرار التصعيد، والمتشددين الحريديم الراغبين في تمرير قانون لإعفاء طلاب المدارس الدينية من التجنيد. ومن جهة ترامب، تتطلب الاستحقاقات الداخلية من انطلاق "كأس العالم 2026"، خلال يونيو الجاري، وانتخابات التجديد النصفي في نوفمبر المقبل، محفزًا لإنهاء الصراع في الشرق الأوسط وإعادة الهدوء لأسواق الطاقة واستقرار أسعارها في الولايات المتحدة وحول العالم، وتجنب وقوع حوادث عنف على الأراضي الأمريكية خلال فعاليات كأس العالم أو في الدول الحليفة.
(&) التأثير على مفاوضات إيران: جاء موقف الرئيس ترامب بعد ساعات من تلويح إيران بالانسحاب من المفاوضات مع الولايات المتحدة والعودة للتصعيد بقصف شمال إسرائيل، ردًا على قصف الضاحية الجنوبية لبيروت. ويحتفظ وقف إطلاق النار الهش بين واشنطن وطهران بالقدرة على إدارة تصعيد منخفض الشدة لاختبار قدرة كل طرف على الصمود ولتثبيت معادلة الردع التي أرساها وقف إطلاق النار في 7 أبريل 2026. وبينما تتفق واشنطن وتل أبيب على تحييد الوكلاء الإقليميين لإيران، إلا أن أهمية ذلك الهدف تختلف عن أجندة أولويات الطرفين، فرغم تضمين وقف إطلاق النار في لبنان بمسودة مذكرة التفاهم ترغب إسرائيل في فصل ذلك الملف عن مسار المفاوضات الأمريكية الإيرانية التي قد تعترف بنفوذ حزب الله ضمنيًا عبر تثبيت الوضع القائم وترك قضية السلاح للضغوط الأمريكية والدولية من جهة والتحولات في الداخل اللبناني من جهة أخرى، وفق رؤية أمريكية بأن تحييد إيران يعني تحييد وكلائها، بينما تعتبر إسرائيل العودة لما قبل 7 أكتوبر 2023 والقبول بوجود الجناح المسلح لحزب الله، حتى مع تضاؤل قدراته، يمثل هزيمة إستراتيجية وعدم تحقيق أهداف الحرب.
(&) إضعاف الوساطة الأمريكية والتأثير على مصالحها: رغم الاستفادة النسبية من التصعيد الإسرائيلي المدار للضغط على إيران ووكلائها، وإجبارهم على تقديم تنازلات جوهرية، تظل محل إجماع داخلي وإقليمي خاصة في الحالة اللبنانية؛ نتيجة نفوذ حزب الله الإقليمي المزعزع للاستقرار في الخليج والمشرق العربيين، يمثل النزوع الإسرائيلي لتصدير أزمات الداخل في أعقاب السابع من أكتوبر 2023، عاملًا مضعضعًا للنفوذ الأمريكي كضامن ووسيط وحيد وموثوق بين الفرقاء الإقليميين. وتعتبر الرؤية الأمريكية أن تصعيد نتنياهو مضر بسمعة إسرائيل، مما يؤثر على جهودها لإعادة رسم تحالفات الشرق الأوسط عبر توسيع "اتفاقيات إبراهيم"، وتقليص الأعباء الدفاعية الأمريكية في المنطقة. ورغم الهدف المعلن للتصعيد، بالرغبة في القضاء على حزب الله وتقويض نفوذ إيران الإقليمي، تعتبر واشنطن أن التصعيد غير المتناسب يضعف فرص التوصل لاتفاق أمني مع لبنان يمهد لاتفاق سلام لاحقًا، ويعزز ذرائع التدخل الإيراني عبر إضعاف الدولة اللبنانية وإثبات عدم قدرتها على حماية شعبها، وخاصة "المكون الشيعي"، مما يدعم رواية حزب الله للتمسك بسلاحه ويوسع قاعدة تجنيده.
وإجمالًا؛ تعد الاعتبارات الشخصية محفزًا للخلاف بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، ففي حين يعتمد ترامب على نهج الصفقة لتسوية الأزمات والصراعات الدولية، مستخدمًا أدوات متعددة للتأثير على قرارات الخصم من أجل الوصول لأقصى حد ممكن من التنازلات ضِمن سقف زمني محدود، يمثل طغيان الاعتبارات الداخلية لنتنياهو وحصاره بشبح السابع من أكتوبر والتباينات داخل ائتلافه الحاكم – والتي قادت لتوجه الكنيست لحل نفسه بدعم من الحريديم- محفزًا للتصعيد المتواصل على جبهات متعددة دون أفق واضح للحل وغياب أي مقاربات تفاوضية للتعامل مع جبهات الحدود، وهو ما يعتبره الرئيس الأمريكي نكرانًا لجميل شخصي أسداه لنتنياهو بالوقوف أمام محاكمته والضغط على الرئيس الإسرائيلي للعفو عنه مقابل عدم تخريب أجندة سياسته الخارجية، التي انصبت على إنهاء الحروب في الشرق الأوسط بالتعاون مع دول عربية وإقليمية عديدة، وهو ما دأبت حكومة نتنياهو على إفساده من غزة ولبنان إلى إيران. وختامًا، يمكن القول إن العدوان الإسرائيلي يضغط على فرص التوصل لاتفاق يعيد الهدوء للبنان، ففي موازاة الضغوط المباشرة من الرئيس الأمريكي لتقييد الضربات والاقتصار على الاستهدافات الدقيقة لحزب الله، يظل التصعيد المتواصل وغير المتناسب لليمين الاستيطاني محفزًا لاستمرار الحرب، حتى اتضاح نتائج الانتخابات الإسرائيلية المبكرة أو التوصل لاتفاق تمهيدي أمريكي إيراني.