تُعد المواجهة العسكرية المتجددة بين إيران وإسرائيل، في 7 و8 يونيو 2026، اختبارًا جديدًا للسياسة الأوروبية في الشرق الأوسط، ليس فقط بسبب مخاطر التصعيد العسكري، وإنما أيضًا بسبب ما يترتب عليها من تداعيات مباشرة على أمن الطاقة الأوروبي، وحرية الملاحة في مضيق هرمز، وأمن القارة الداخلي، ومستقبل العلاقات الأوروبية مع الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران في آن واحد.
في هذا السياق، تُثار العديد من التساؤلات، يأتي في مقدمتها: ما ركائز الموقف الأوروبي تجاه الحرب على إيران؟ وما أهم المخاوف الأوروبية التي تدفعها إلي تبني موقف معين إزاء تلك الحرب؟ فهل تقف أوروبا إلى جانب إسرائيل؟ أم تمارس ضغوطًا على الطرفين؟ أم أنها تسعى إلى دور الوسيط الذي يحاول منع انزلاق المنطقة إلى حرب إقليمية شاملة؟.
ركائز أساسية
يقوم الموقف الأوروبي الرسمي تجاه تجدد الحرب بين إيران وإسرائيل على ثلاث ركائز أساسية متوازية يمكن تلخيصها فيما يلي:
(*) رفض التصعيد العسكري والدعوة إلى ضبط النفس: دعت أغلب العواصم الأوروبية خلال الساعات الأخيرة إلى وقف دائرة الردود المتبادلة بين طهران وتل أبيب، محذرة من أن استمرار الضربات قد يؤدي إلى انهيار التفاهمات التي أوقفت الحرب واسعة النطاق في أبريل الماضي. وقد صدرت بالفعل مناشدات أوروبية متكررة لضبط النفس ومنع تحول الاشتباكات الحالية إلى مواجهة إقليمية مفتوحة.
(*) تحميل إيران مسؤولية جانب كبير من التوتر الراهن: رغم الدعوات إلى التهدئة، فإن الاتحاد الأوروبي لا يخفي موقفه تجاه الأنشطة العسكرية الإيرانية، خاصة فيما يتعلق بالهجمات الصاروخية والطائرات المُسيّرة وتهديد الملاحة الدولية. فقد تزامن التصعيد مع فرض الاتحاد الأوروبي عقوبات جديدة على شخصيات ووحدات مرتبطة بالحرس الثوري الإيراني؛ بسبب تهديد حرية الملاحة في مضيق هرمز.
(*) رفض المشاركة في الحرب الراهنة: تواصل أوروبا التأكيد على أن الحل النهائي يجب أن يكون دبلوماسيًا ويمنع امتلاك إيران سلاحًا نوويًا دون الانزلاق إلى صراع شامل، لذلك لا تبدو أوروبا مستعدة للمشاركة في أي حرب واسعة ضد إيران على الأقل حتى الآن.
تيارات أوروبية متباينة
على الرغم من الركائز الثلاث السابقة للموقف الأوروبي، فإن القارة العجوز ليست كتلة واحدة إزاء الحرب على إيران. فهناك غياب لموقف أوروبي موحَّد بالكامل إزاء هذه الحرب. وفي هذا الصدد يمكن رصد ثلاثة تيارات أوروبية مختلفة؛ وهي:
(-) التيار المتشدد ضد إيران: تميل دول مثل ألمانيا الاتحادية وبعض دول شرق أوروبا إلى تبني خطاب أكثر تشددًا تجاه إيران، معتبرة أن البرنامج النووي الإيراني وبرنامج الصواريخ الباليستية يمثلان تهديدًا مباشرًا للأمن الأوروبي.
(-) التيار الحذر: في المقابل، تتبنى دول مثل إسبانيا موقفًا أكثر انتقادًا للعمليات العسكرية الأمريكية والإسرائيلية، وترى أن الحل العسكري لن يحقق الاستقرار، بل قد يدفع المنطقة نحو فوضى أوسع.
(-) التيار الوسطي: تقوده دول مثل فرنسا وإيطاليا وغيرهما ممن يحاولون الجمع بين الضغط على إيران والدعوة إلى احتواء التصعيد وعدم توسيع الحرب.
مخاوف أوروبية متزايدة
هناك مجموعة من المخاوف الإستراتيجية لدى أوروبا تفسر البيانات السياسية، سواء من جانب اتحادها أو دولها فرادى، إزاء تجدد المواجهة الأخيرة بين إيران وإسرائيل. ويأتي في مقدمة هذه المخاوف ما يلي:
(&) تأمين إمدادات الطاقة: تدرك أوروبا أن أي اضطراب واسع في مضيق هرمز قد يؤدي إلى ارتفاعات حادة في أسعار النفط والغاز، وهو ما بدأ ينعكس بالفعل على الأسواق العالمية مع تجدد الضربات المتبادلة بين إيران وإسرائيل.
(&) حرية الملاحة في ممرات الشرق الأوسط: يعتبر الاتحاد الأوروبي أن حماية الملاحة الدولية أولوية قصوى، ولذلك كثّف حديثه عن تأمين الممرات البحرية وحرية العبور في هرمز والبحر الأحمر.
(&) ضغوط الهجرة وتهديد الأمن الداخلي الأوروبي: هناك تخوف أوروبي متزايد من أن يؤدي اتساع الحرب إلى موجات نزوح جديدة من الشرق الأوسط، فضلًا عن تنامي مخاطر الإرهاب والتطرف والاضطرابات الأمنية داخل أوروبا نفسها.
إلى أين يتجه الموقف الأوروبي خلال الأيام المقبلة؟
إذا استمرت أجواء التصعيد، فمن المرجح أن تتحرك أوروبا في ثلاثة اتجاهات متوازية؛ هي: توسيع العقوبات على شخصيات ومؤسسات إيرانية جديدة، وزيادة الإجراءات البحرية والأمنية لحماية الملاحة الدولية، وتكثيف الضغوط الدبلوماسية لإحياء مسار التهدئة ومنع انهيار وقف إطلاق النار بالكامل.
وقد تلعب أوروبا دور الوسيط؛ فمن جانب تمتلك أوروبا بعض أدوات الوساطة؛ مثل: العلاقات الدبلوماسية القائمة مع إيران، والشراكات الإستراتيجية مع إسرائيل، فضلًا عن حضورها المؤثر داخل المؤسسات الدولية، بالإضافة إلى مصلحتها المباشرة في منع الحرب. وعلى الجانب الآخر تواجه أوروبا عدة عقبات في لعب هذا الدور؛ أهمها: تراجع نفوذ أوروبا مقارنة بالولايات المتحدة، والانقسامات بين الدول الأوروبية نفسها، بالإضافة إلى الشكوك الإيرانية في حياد بعض العواصم الأوروبية، وارتباط الملف الإيراني من وجهة نظر أوروبية بالحسابات الأمريكية والإسرائيلية بصورة وثيقة.
أما إذا اتسعت الحرب لتشمل جبهات أخرى، مثل لبنان أو البحر الأحمر أو الخليج، فستزداد الضغوط على الحكومات الأوروبية لاتخاذ مواقف أكثر صرامة، وربما المشاركة بصورة أكبر في ترتيبات الأمن الإقليمي في الشرق الأوسط.
في النهاية، يمكن القول إن أوروبا تقف في منطقة وسطى بين الدعم الأمني لإسرائيل والرفض الواضح لتوسيع الحرب. فهي ترى في إيران مصدرًا لعدم الاستقرار الإقليمي، لكنها في الوقت نفسه تخشى أن يؤدي الانفجار العسكري الشامل إلى تهديد مصالحها الحيوية في الطاقة والتجارة والأمن الداخلي. ومن ثم فإن جوهر الموقف الأوروبي الحالي ليس الانحياز الكامل لأي طرف، بل السعي إلى منع تحول المواجهة الإيرانية الإسرائيلية من أزمة قابلة للاحتواء إلى حرب إقليمية مفتوحة قد تكون أوروبا نفسها من أكبر المتضررين من نتائجها.