الموقع الرسمي | القاهرة الاخبارية

سيناريوهات وقف إطلاق النار بين حزب الله اللبناني وإسرائيل

  • مشاركة :
post-title
الأوضاع في لبنان

القاهرة الإخبارية - د. محمد أبو سريع

دخل الصراع بين إسرائيل وحزب الله في لبنان خلال الأشهر الأخيرة مرحلة جديدة تجاوزت قواعد الاشتباك التقليدية التي حكمت الحدود اللبنانية – الإسرائيلية منذ حرب عام 2006. فالحرب التي اندلعت في سياق المواجهة الإقليمية الأوسع بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران ومحورها الإقليمي من جهة أخرى، جعلت الساحة اللبنانية إحدى أكثر ساحات الصراع حساسية وتأثيرًا في مستقبل الشرق الأوسط.

ومع التصعيد الإسرائيلي الأخير في جنوب لبنان والضاحية الجنوبية لبيروت، والردود الصاروخية التي نفذها حزب الله، بدا أن الصراع في هذه المنطقة يتجه نحو حرب مفتوحة. إلا أن التدخل الأمريكي المباشر، وما أعقبه من تصريحات للرئيس دونالد ترامب حول التوصل إلى تفاهم لوقف إطلاق النار ومنع التقدم العسكري الإسرائيلي نحو بيروت، أعاد طرح إمكانية العودة إلى مسار التهدئة.

وفي هذا السياق، تُثار العديد من التساؤلات، مثل: هل بات التوصل إلى وقف إطلاق نار حقيقي بين إسرائيل وحزب الله في لبنان وشيكًا، أم أنه مجرد هدنة مؤقتة تفرضها الحسابات السياسية المرتبطة بالمفاوضات الأمريكية – الإيرانية؟ ولماذا أصبح الملف اللبناني أولوية أمريكية في الوقت الراهن؟ وما حسابات طرفي التصعيد، حزب الله اللبناني وإسرائيل، في هذا الخصوص؟ وإلى أين تتجه سيناريوهات التصعيد بينهما؟

في ضوء ما سبق، يأتي هذا التحليل للإجابة عن التساؤلات السابقة من خلال التركيز على النقاط الأساسية التالية:

تشابك المسارات

تكشف التطورات الأخيرة أن واشنطن لم تتحرك لاحتواء التصعيد في لبنان بدافع الحرص على الاستقرار اللبناني فقط، بل لأن استمرار الحرب يهدد مسارًا أكبر يتعلق بالتفاهمات الأمريكية – الإيرانية. فالتصريحات الأخيرة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشأن اتفاق متبادل على وقف الهجمات بين إسرائيل وحزب الله، إلى جانب تدخله المباشر لمنع توسع العمليات نحو بيروت، تكشف أن الملف اللبناني أصبح جزءًا لا يتجزأ من المفاوضات الأمريكية – الإيرانية الجارية، وليس مجرد ساحة صراع مستقلة.

وفي المقابل، ربطت إيران بصورة مباشرة بين استمرار المفاوضات مع الولايات المتحدة ووقف العمليات العسكرية الإسرائيلية في لبنان، معتبرة أن أي تصعيد جديد يقوض فرص التوصل إلى اتفاق أوسع بشأن الملفات النووية والأمنية. كما لوحت طهران بإمكانية تجميد الاتصالات السياسية إذا استمرت العمليات الإسرائيلية في لبنان.

وفي ضوء ما سبق، يمكن فهم الضغوط الأمريكية غير المسبوقة على حكومة بنيامين نتنياهو، التي دفعت ترامب إلى إعلان أن القوات الإسرائيلية لن تتجه إلى بيروت وأن العمليات العسكرية ستتراجع، في محاولة واضحة لحماية المسار التفاوضي مع إيران من الانهيار.

تعقد الحسابات الإسرائيلية

رغم التصريحات الأمريكية، فإن الموقف الإسرائيلي يبدو أكثر تعقيدًا. فالحكومة الإسرائيلية لا تزال تعتبر أن الوجود العسكري لحزب الله قرب الحدود الشمالية يمثل تهديدًا إستراتيجيًا لا يمكن التعايش معه على المدى الطويل. ولهذا، فإن إسرائيل تنظر إلى أي وقف لإطلاق النار باعتباره وسيلة لإعادة ترتيب الأوضاع الميدانية، وليس نهاية للصراع. كما أن تصريحات نتنياهو ووزير الدفاع الإسرائيلي خلال الأيام الأخيرة أوضحت أن العمليات العسكرية قد تتوقف مرحليًا، لكنها لن تنتهي إذا استمرت قدرات الحزب العسكرية أو هجماته عبر الحدود.

وفي ضوء ما سبق، يتضح أن إسرائيل تقبل حاليًا بتهدئة تكتيكية، لكنها لا تبدو مستعدة بعد للقبول بتسوية إستراتيجية تمنح حزب الله شرعية الأمر الواقع على حدودها الشمالية.

ماذا يريد حزب الله؟

يبدو أن حزب الله اللبناني يدرك أن استمرار الحرب المفتوحة يحمل مخاطر كبيرة على لبنان وعلى بيئته الداخلية. ولهذا، ظهرت خلال الساعات الأخيرة مؤشرات لافتة على استعداد الحزب لقبول وقف شامل لإطلاق النار إذا التزمت إسرائيل بالمثل. وقد نقلت شخصيات لبنانية قريبة من الحزب إلى واشنطن استعداد الحزب لوقف كامل ومتبادل للعمليات العسكرية، مع رفض فكرة التهدئة الجزئية أو المشروطة. لكن الحزب يربط ذلك بجملة من الشروط غير المعلنة، أهمها وقف الغارات على العمق اللبناني، وعدم فرض ترتيبات أمنية جديدة تنتقص من دوره العسكري أو السياسي داخل لبنان.

السيناريوهات المستقبلية

في ضوء التطورات المتسارعة التي يشهدها إقليم الشرق الأوسط، وما يرتبط بها من تزايد معدلات التصعيد بين حزب الله اللبناني وإسرائيل، أصبح الاهتمام يتركز حول سيناريوهات وقف إطلاق النار بين إسرائيل وحزب الله في لبنان في الوقت الراهن. وفي ضوء ذلك، تم رصد السيناريوهات الثلاثة التالية:

(*) السيناريو الأول (تثبيت وقف دائم لإطلاق النار بين حزب الله اللبناني وإسرائيل): يمثل هذا السيناريو الاحتمال الأكثر ترجيحًا على المدى القصير، إذ تدفع الولايات المتحدة بقوة نحو هذا المسار الذي أصبح نجاحه مرتبطًا مباشرة باستمرار المفاوضات مع إيران. كما أن لبنان يعاني من ضغوط اقتصادية وإنسانية هائلة، في حين لا تبدو إسرائيل راغبة في الانخراط في حرب استنزاف طويلة على جبهة جديدة. وقد شهدت الأسابيع الماضية بالفعل تمديدًا متكررًا لاتفاقات التهدئة ومحاولات أمريكية لتوسيعها.

(*) السيناريو الثاني (التوصل إلى هدنة هشة قابلة للانفجار بين حزب الله اللبناني وإسرائيل): يقوم هذا السيناريو على افتراض أكثر واقعية قد يحدث على المدى المتوسط. ويتمثل هذا الافتراض في احتمال توقف العمليات الكبرى بين حزب الله اللبناني وإسرائيل، مع استمرار الضربات المحدودة والاستهدافات المتبادلة. وفي هذه الحالة، سيبقى وقف إطلاق النار قائمًا شكليًا بين الطرفين، بينما تستمر المواجهة منخفضة الحدة على الأرض. وهذا السيناريو ينسجم مع طبيعة العلاقة الحالية بين إسرائيل وحزب الله في لبنان، حيث لا يملك أي طرف مصلحة في الحرب الشاملة، لكنه لا يثق أيضًا في نيات الطرف الآخر.

ويرتبط بهذا السيناريو أيضًا احتمال تثبيت هدنة واسعة خلال الأسابيع القادمة، إذ يتجاوز احتمال الحرب الشاملة، لأن إدارة ترامب باتت تنظر إلى الجبهة اللبنانية باعتبارها عقدة رئيسية في إنجاح أو إفشال التفاهم الجاري مع إيران، وهو ما يفسر تدخله الشخصي والمباشر مع كل من إسرائيل والوسطاء المرتبطين بحزب الله.

(*) السيناريو الثالث (انهيار التهدئة والعودة إلى الحرب بين حزب الله اللبناني وإسرائيل): يبقى هذا السيناريو الأقل احتمالًا حاليًا، لكنه ليس مستبعدًا. فأي هجوم واسع على بيروت أو عملية نوعية لحزب الله اللبناني داخل إسرائيل قد يؤدي إلى انهيار التفاهمات الحالية. كما أن فشل المفاوضات الأمريكية – الإيرانية قد يسحب الغطاء السياسي عن جهود التهدئة ويفتح الباب أمام جولة جديدة من التصعيد الإقليمي.

وفي النهاية، يمكن القول إن المعطيات الراهنة تشير إلى أن احتمالات وقف إطلاق النار بين حزب الله اللبناني وإسرائيل أصبحت أقوى مما كانت عليه قبل فترة، ليس نتيجة تغير جوهري في مواقف الأطراف المتصارعة، وإنما بسبب تلاقي – قد يكون مؤقتًا – للمصالح بين واشنطن وطهران وتل أبيب وبيروت في منع انزلاق المنطقة إلى حرب أوسع نطاقًا تتجاوز الساحة اللبنانية.

غير أن هذه الاحتمالات وما يرتبط بها من السيناريوهات المذكورة لا تزال تستند إلى اعتبارات سياسية ظرفية أكثر من استنادها إلى تسوية حقيقية لجذور الصراع. ولذلك، يمكن القول إن التصعيد بين الطرفين قد يتجه في المدى القصير إلى مرحلة "خفض تصعيد مشروط" أكثر منه سلامًا مستدامًا بينهما. فنجاح وقف إطلاق النار سيبقى مرتبطًا بمصير المفاوضات الأمريكية – الإيرانية من جهة، وبقدرة إسرائيل وحزب الله في لبنان على ضبط حساباتهما العسكرية من جهة أخرى. لذلك، فإن الأيام، وربما الأشهر القليلة المقبلة، لن تحسم فقط مستقبل الجبهة اللبنانية، بل قد تحدد أيضًا شكل النظام الأمني الجديد الذي يتبلور في الشرق الأوسط بعد حرب 2026.