الموقع الرسمي | القاهرة الاخبارية

شرقا وغربا.. العالم يحج إلى الصين بـ"الصفقات ورسائل النفوذ"

  • مشاركة :
post-title
صورة تعبيرية للعلاقات الروسية الصينية

القاهرة الإخبارية - مازن إسلام

لم تعد الصين مجرد قوة اقتصادية صاعدة تنافس على الأسواق العالمية، بل تحولت فعليًا إلى مركز جذب دولي تُعاد عند أبوابه صياغة التوازنات السياسية والاقتصادية الكبرى.

فالعالم، شرقًا وغربًا، بات يتجه إلى بكين ليس فقط بحثًا عن صفقات واستثمارات، وإنما أيضًا بحثًا عن مفاتيح الاستقرار في نظام دولي مضطرب تتشابك فيه الأزمات التجارية والطاقة والتكنولوجيا والجغرافيا السياسية.

ومن اللافت أن زيارات قادة القوى الكبرى إلى الصين لم تعد تحمل الطابع البروتوكولي التقليدي، بل أصبحت أقرب إلى "بعثات اقتصادية استراتيجية"، تصحبها وفود ضخمة من كبار رجال الأعمال وقادة التكنولوجيا والطاقة والصناعة، في اعتراف عملي بأن بكين باتت لاعبًا لا يمكن تجاوزه في معادلة الاقتصاد العالمي.

وفي هذا السياق، تبدو زيارتا الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ونظيره الروسي فلاديمير بوتين إلى الصين، بفارق أيام قليلة، بمثابة مؤشر واضح على أن بكين لم تعد مجرد شريك تجاري، بل تحولت إلى "مركز ثقل عالمي" تسعى القوى الكبرى إلى توثيق العلاقات معه، سواء لتأمين المصالح الاقتصادية أو لفتح قنوات سياسية قد تساعد في احتواء أزمات دولية متصاعدة، من الحرب التجارية إلى اضطرابات الطاقة وسلاسل الإمداد.

ولكل هذا تبدو الصين اليوم وكأنها تمسك بخيوط معادلة جديدة: الاقتصاد أولًا.. ثم السياسة.

روسيا والصين

وباعتبار بكين مركز الثقل الاقتصادي الأبرز عالميًا، جاءت زيارة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الذي وصل إلى الصين أمس الثلاثاء في زيارة دولة تستمر لمدة يومين يتخللها قمة استثنائية مع نظيره شي جين بينج، بحثًا عن تعميق العلاقات الثنائية بين البلدين، لتؤكد حجم الرهان الروسي على الشراكة مع الصين، ليس فقط لتعزيز التعاون التجاري والطاقة، بل أيضًا لبناء شبكة توازنات استراتيجية. وقد عكست طبيعة الوفد الروسي المرافق لبوتين، الذي ضم كبار مسؤولي الطاقة والصناعة والتكنولوجيا والفضاء، إدراك موسكو أن الطريق إلى تعزيز النفوذ السياسي يمر أولًا عبر بوابة الاقتصاد الصيني.

ويرافق بوتين في زيارته للصين، رئيس شركة النفط الروسية، والرئيس التنفيذي لشركة الطاقة النووية الحكومية، ورئيس مؤسسة الفضاء الوطنية الروسية، فضلا عن كبار المسؤولين التنفيذيين في أكبر الشركات الروسية.

وفي هذا السياق، قالت صحيفة "جلوبال تايمز" الصينية، إن حجم الوفد الروسي وتكوينه يشيران إلى أن موسكو تأمل في توسيع التعاون الثنائي في مجالات متعددة، وذلك استنادًا لما صرّح به المسؤولون الروس قبل الزيارة، بأن الطرفين قد يوقّعا نحو 40 وثيقة تعاون ثنائية تشمل مجالات الصناعة والنقل والطاقة النووية، فيما شددت الصين على ضرورة الاستفادة من عامل الجوار والتكامل الاقتصادي لتعميق التعاون العملي الشامل بين البلدين.

وفي السياق، قال لي يونج تشوان، مدير أبحاث التنمية الاجتماعية الأوراسية في مركز أبحاث التنمية التابع لمجلس الدولة الصيني، إن حجم التبادل التجاري بين الصين وروسيا شهد نموًا متسارعًا خلال السنوات الأخيرة، مشيرًا إلى أن هيكل التجارة الثنائية لم يعد يعتمد بصورة أساسية على قطاع الطاقة كما كان في السابق.

وأوضح "لي" أن الصادرات الصينية إلى روسيا، خاصة السيارات والمنتجات الإلكترونية، سجلت ارتفاعًا ملحوظًا، مع توقعات بتوسع التعاون الصناعي وسلاسل الإمداد في مجالات التكنولوجيا والعلوم المتقدمة.

فيما، أكد لي هايدونج، أستاذ في جامعة الشؤون الخارجية الصينية، أن كلًا من الصين وروسيا تمتلكان أطرًا سياسية راسخة لمواءمة استراتيجياتهما التنموية، وتعملان باستمرار على تعزيز مكانة الأسواق الناشئة والدول النامية في سياساتهما الخارجية، مضيفًا أن العلاقات الصينية الروسية لطالما كانت، ولا تزال، تسير على نهج قوي نحو تحقيق تقدم مطرد، يتميز بخطط تنموية متوافقة، وتنسيق عملي شامل، وتفاعلات دبلوماسية استراتيجية استباقية.

وبحسب بيانات وزارة التجارة الصينية، بلغ حجم التجارة الثنائية بين البلدين نحو 228 مليار دولار خلال عام 2025، متجاوزًا حاجز 200 مليار دولار للعام الثالث على التوالي، فيما حافظت الصين على موقعها كأكبر شريك تجاري لروسيا للعام السادس عشر تواليًا.

ماذا عن أمريكا؟

وقبل أيام قليلة من زيارة بوتين، كانت بكين استقبلت أيضًا الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، في مشهد عكس بوضوح المكانة التي باتت تحتلها الصين في حسابات القوى الكبرى اقتصاديًا واستثماريًا.

فالزيارة الأمريكية لم تقتصر على الملفات السياسية أو التنافس الاستراتيجي بين واشنطن وبكين، بل حملت طابعًا اقتصاديًا لافتًا، تجسّد في حجم ونوعية الوفد المرافق لترامب، الذي ضم نخبة من كبار قادة الأعمال والتكنولوجيا والصناعة في الولايات المتحدة.

ورغم التوترات المستمرة بين أكبر اقتصادين في العالم، والانتقادات الأمريكية المتكررة لاختلال الميزان التجاري لصالح الصين، إلى جانب مساعي ترامب لإعادة إحياء الصناعة الأمريكية وتقليص النفوذ الاقتصادي الصيني، فإن واشنطن تدرك في الوقت ذاته أن السوق الصينية تظل واحدة من أهم الساحات الحيوية للشركات والمستثمرين الأمريكيين، بما يجعل العلاقة بين الطرفين محكومة بمزيج معقد من المنافسة والاعتماد المتبادل.

وبحسب صحيفة "ساوث تشاينا مورنينج بوست" الصينية، فإن الوفد المرافق لترامب ضمَّ 12 من قادة الأعمال، بمن فيهم الرئيس التنفيذي لشركة تسلا إيلون ماسك وتيم كوك من شركة أبل، وأري فينك من بلاك روك، وكيلي أورتبرج من بوينج، ودينا باول ماكورميك من ميتا، وريان ماكينيرني من فيزا، والرئيس التنفيذي لشركة إنفيديا، جنسن هوانج.

وضم الوفد أيضًا قطاعات رئيسية، بما في ذلك الطيران والتكنولوجيا والخدمات المصرفية ووسائل التواصل الاجتماعي، إذ تسعى إدارة ترامب إلى التفاوض على اتفاقيات تجارية وإدارة تدفق السلع الحساسة بين أكبر اقتصادين في العالم.

وتضم القائمة أيضًا ستيفن شوارزمان من بلاكستون، وبريان سايكس من كارجيل، وجين فريزر من سيتي، وجيم أندرسون من كوهيرنت، ولاري كولب من جي إي إيروسبيس، وديفيد سولومون من جولدمان ساكس، وجاكوب ثايسن من إلومينا، ومايكل ميباخ من ماستركارد، وسانجاي ميهروترا من ميكرون، وكريستيانو آمون من كوالكوم.

وإضافة إلى ذلك، دُعي الرئيس التنفيذي لشركة سيسكو، تشاك روبنز، لكنه لم يتمكن من الحضور، لأن الشركة ستعلن أرباحها هذا الأسبوع.