تشهد السياسة التجارية الأمريكية مرحلة جديدة من التوترات بعد القرارات القضائية التي قيدت صلاحيات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، في فرض الرسوم الجمركية، ما انعكس على علاقات واشنطن التجارية مع حلفائها وخصومها، في وقت يتزامن مع قمة ترامب ونظيره الصيني شي جين بينج.
ترامب يفقد سلاحه التجاري
وذكرت صحيفة "فايننشال تايمز" الأمريكية أن تهديدات ترامب السابقة بفرض تعريفات جمركية كانت تثير ردود فعل دولية واسعة، كما حدث خلال أزمة جزيزرة جرينلاند، يناير الماضي، حين عقد الاتحاد الأوروبي اجتماعات طارئة وخرج آلاف المحتجين في الدنمارك، قبل أن تتراجع فاعلية هذه التهديدات بعد قرارات القضاء الأمريكي الأخيرة.
وقضت المحكمة العليا الأمريكية بأن إعلانات ترامب المتعلقة برسوم "يوم التحرير" تجاوزت صلاحياته القانونية، ما قوض إحدى أبرز أدواته السياسية في الضغط على الدول الأخرى وفرض إرادته التجارية على الشركاء والحلفاء.
وقال المدير الإداري في شركة "روك كريك جلوبال أدفايزرز" مايكل سمارت، إن الرئيس فقد القدرة على التهديد بفرض رسوم جمركية سريعة التنفيذ، الأداة التي كان يعتمد عليها بشكل متكرر في سياسته الخارجية والتجارية.
كما ألغت محكمة أمريكية أخرى الرسوم الجمركية العالمية البالغة 10%، التي فرضها ترامب، فبراير، كبديل للرسوم الملغاة، بينما تواصل الإدارة الأمريكية استئناف القرار أملًا في استعادة هذه الصلاحيات.
قمة بكين
يستعد ترامب حاليًا للقاء الرئيس الصيني شي جين بينج، في وقت تحاول فيه إدارته إعادة بناء قدرتها على فرض رسوم جمركية جديدة على الواردات القادمة من مختلف دول العالم.
وأكتوبر الماضي، توصل ترامب وشي إلى اتفاق لوقف الحرب التجارية، بعد أشهر من تبادل الرسوم وفرض قيود صينية على العناصر الأرضية النادرة.
وتواجه الإدارة مقاومة متزايدة داخل الكونجرس، إضافة إلى تراجع شعبية الرسوم الجمركية قبل انتخابات التجديد النصفي، نوفمبر المقبل، وسط مخاوف من أن الإجراءات البديلة لن تمنح ترامب هامش المناورة الذي كان يسعى إليه.
وقال مايرون بريليانت من مجموعة "ألبرايت ستونبريدج"، إن كثيرًا من الدول بدأت تُعيد تقييم اتفاقاتها التجارية مع واشنطن بعد حكم المحكمة العليا، مضيفًا أن بعض الحكومات باتت تتعامل مع الإدارة الأمريكية بدرجة أقل من الحذر السابق.
ولا تزال الرسوم الجمركية تُمثل جوهر رؤية ترامب الاقتصادية، إذ وصف نفسه سابقًا بأنه "رجل الرسوم الجمركية"، واستخدم هذه السياسة، خلال فترتيه الرئاسيتين لإعادة تشكيل العلاقات التجارية الأمريكية.
وفي "يوم التحرير"، فرض ترامب رسومًا تراوحت بين 49% على كمبوديا و20% على الاتحاد الأوروبي و10% على جزر مارشال، قبل أن يرفع الرسوم على الصين إلى 145% بعد أيام قليلة.
تراجعات متكررة
شهد العام الحالي سلسلة من المراجعات والتراجعات، بعدما تفاوضت الإدارة الأمريكية على اتفاقات مع حلفاء وخصوم، وأوقفت بعض الرسوم التي أثرت على أسواق الأسهم العالمية.
ورغم إبطال معظم الرسوم الجمركية بقرار المحكمة العليا، أكد بنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك، أن متوسط الرسوم الجمركية الأمريكية ارتفع من 2.6% إلى 13%، خلال العام الماضي.
ويرى عدد من الاقتصاديين أن الرسوم الجمركية لن تُنهي العجز التجاري الأمريكي أو تعيد إحياء الصناعة المحلية، مشيرين إلى أن العجز الضخم في الميزانية يدفع الولايات المتحدة إلى الاعتماد على رؤوس الأموال الأجنبية والاستيراد.
وينص الدستور الأمريكي على أن الكونجرس الجهة المسؤولة عن الضرائب والرسوم الجمركية، إلا أن تحركات ترامب السابقة لم تواجه معارضة واسعة قبل القرارات القضائية الأخيرة.
القلق يتزايد
وقال عدد من النواب الجمهوريين، إن القلق يتزايد داخل الحزب الجمهوري بشأن سياسة الرسوم الجمركية وتأثيرها الاقتصادي والسياسي قبل الانتخابات المقبلة، وفق صحيفة "فايننشال تايمز".
وأكد النائب الجمهوري دان نيوهاوس، أن حكم المحكمة العليا منح الكونجرس نفوذًا أكبر على الأنشطة التجارية للرئيس، مشيرًا إلى أنه لم يكن من المؤيدين لاستخدام الرسوم الجمركية بهذا الشكل الواسع.
ومع اقتراب انتهاء مهلة الرسوم الجمركية المؤقتة البالغة 150 يومًا، تسعى الإدارة الأمريكية إلى استكمال تحقيقات جديدة تتعلق بالشركاء التجاريين وقضايا العمل القسري والإعانات الحكومية، لكن هذه الإجراءات تتطلب جلسات استماع ومراجعات قانونية ومشاورات مع الشركات، ما يجعل فرض الرسوم الجديدة أكثر تعقيدًا وأبطأ من السابق.
وقال الباحث الزائر في جامعة جورج تاون بيتر هاريل، إن الإدارة الأمريكية باتت تُدرك أنها مضطرة إلى العمل بانضباط أكبر، مضيفًا أن ترامب قد يتمكن من الحفاظ على رسوم تتراوح بين 5 و15%، لكنه سيجد صعوبة في فرض رسوم مرتفعة تتجاوز 35 أو 50%.