بعد تسع سنوات على زيارته الأولى إلى الصين كرئيس للولايات المتحدة الأمريكية، يستعد دونالد ترامب، للعودة إلى بكين خلال الفترة من 13 إلى 15 مايو الجاري، في زيارة تحمل أبعادًا سياسية واقتصادية وإستراتيجية معقدة، وسط استمرار التوترات بين أكبر قوتين اقتصاديتين في العالم بشأن الرسوم الجمركية، وتايوان، والتنافس التكنولوجي المتصاعد، وحرب إيران.
كما تُعد القمة المرتقبة اختبارًا جديدًا لقدرة واشنطن وبكين على احتواء خلافاتهما المتزايدة وإعادة قدر من الاستقرار إلى علاقة أصبحت خلال السنوات الأخيرة أقرب إلى "المنافسة الإستراتيجية المفتوحة" منها إلى الشراكة الحذرة.
صفقات عملية
وبحسب التوقعات، لن تشهد الزيارة اختراقًا سياسيًا كبيرًا أو إعادة ضبط شاملة للعلاقات الثنائية، بل ستركز بصورة أساسية على تحقيق تفاهمات عملية محدودة، تشمل تمديد الهدنة التجارية الحالية، وتأمين مشتريات صينية جديدة من السلع الأمريكية، ومنع تصاعد التوترات إلى مستويات أكثر خطورة.
ومن المنتظر أن تتصدر الملفات الاقتصادية المشهد، مع ترقب إعلان صفقات تشمل طائرات شركة "بوينج" والمنتجات الزراعية، واتفاقات الطاقة، إلى جانب ترتيبات تتعلق باستقرار إمدادات المعادن النادرة والتعاون في مكافحة تهريب مادة الفنتانيل.
الملف الأكثر حساسية
ورغم الطابع الاقتصادي المتوقع للزيارة، فإن "ملف تايوان" سيظل القضية الأكثر حساسية على طاولة المباحثات.
ونقلت صحيفة "ساوث تشاينا مورنينج بوست" عن مصادر مطلعة قولها، إن بكين تضغط على واشنطن للتخلي عن سياسة "الغموض الإستراتيجي" تجاه الجزيرة، والتحرك بصورة أوضح نحو معارضة استقلال تايوان ودعم إعادة توحيدها مع الصين.
وتصاعدت حدة التوتر، فبراير 2025، عندما أزالت الولايات المتحدة من إحدى نشراتها الرسمية، اللغة التي كانت تُعارض استقلال تايوان بشكل صريح.
ويرى بعض المحللين أن تأجيل إدارة ترامب مؤخرًا لبعض صفقات السلاح المخصصة لتايوان قد يُمثل إشارة إيجابية لبكين، فإن معظم التقديرات تستبعد تقديم واشنطن تنازلات جوهرية في هذا الملف.
إيران وكوريا الشمالية وبحر الصين الجنوبي
وتشمل الملفات الشائكة الأخرى المتوقع طرحها خلال القمة، الأزمة الإيرانية والتوترات في الشرق الأوسط، إذ تمارس الولايات المتحدة ضغوطًا على الصين لاستخدام نفوذها لدى إيران من أجل تهدئة الأوضاع، سواء عبر العقوبات أو التصريحات العلنية.
في المقابل، تُلقي بكين باللوم على الولايات المتحدة وإسرائيل في تفاقم الصراع، وترفض الانخراط في سياسة العقوبات الأمريكية، ما يهدد بتحول الملف الإيراني إلى مصدر جديد للاحتكاك بين الطرفين خلال الزيارة.
كما قد تمتد المناقشات إلى قضايا كوريا الشمالية وبحر الصين الجنوبي، في ظل استمرار الخلافات الجيوسياسية بين الجانبين في آسيا والمحيط الهادئ.
أزمات هيكلية مستمرة
ويرى مراقبون أن الزيارة قد تحقق مكاسب قصيرة الأجل للمصدرين الأمريكيين، لكنها لن تكون كافية لمعالجة القضايا الهيكلية الأعمق، التي تسمم العلاقات الثنائية، وفي مقدمتها المنافسة في مجالات الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا المتقدمة، وأمن سلاسل الإمداد، ومستقبل تايوان.
دبلوماسية البساط الأحمر
ومن المتوقع أن تحظى الزيارة بمظاهر استقبال رسمية واسعة، تشمل مراسم السجاد الأحمر والولائم الكبرى، إضافة إلى لقاءات مطولة بين "ترامب وشي"، في مشهد يعيد إلى الأذهان أجواء زيارة عام 2017.
ويرجح أن يكرر ترامب حديثه عن "علاقته الرائعة" مع شي جين بينج، العلاقة الشخصية التي حافظ عليها الزعيمان رغم التدهور الحاد، الذي شهدته العلاقات بين البلدين، خلال السنوات الماضية.
البدايات الودية
وخلال زيارة ترامب الأولى إلى الصين، نوفمبر 2017، حصل الرئيس الأمريكي وزوجته على استقبال وصف آنذاك بأنه "زيارة دولة بامتياز زائد".
وشملت الزيارة جولة خاصة داخل المدينة المحرمة، وعروضًا لأوبرا بكين، وعشاءً رسميًا فاخرًا بحضور شي جين بينج والسيدة الأولى الصينية بينج لي يوان.
وأشاد ترامب حينها بالرئيس الصيني، واصفًا إياه بأنه "رجل مميز للغاية"، كما وصف الصين بأنها "دولة عظيمة".
وأسفرت الزيارة عن إعلان صفقات تجارية قُدرت قيمتها بأكثر من 250 مليار دولار، شملت مشروعات للطاقة وطائرات بوينج ومنتجات زراعية، رغم أن جزءًا كبيرًا منها اقتصر على مذكرات تفاهم وخطابات نوايا غير ملزمة.
الحرب التجارية
لكن أجواء الود لم تستمر طويلًا، إذ شهد النصف الثاني من عام 2018، اندلاع الحرب التجارية بين البلدين، بعدما فرض ترامب رسومًا جمركية على سلع صينية بمئات المليارات من الدولارات، لترد بكين بإجراءات مماثلة.
ومع تفشي جائحة فيروس كورونا أواخر عام 2019، دخلت العلاقات الثنائية مرحلة أكثر توترًا، خصوصًا بعد انتقادات ترامب الحادة لطريقة تعامل الصين مع الوباء، واستخدامه المتكرر لمصطلح "الفيروس الصيني".
التصعيد الدبلوماسي وأزمة المنطاد
وفي يوليو 2020، وصلت العلاقات إلى مستوى غير مسبوق من التوتر بعدما أمرت واشنطن بإغلاق القنصلية الصينية في هيوستن بدعوى التجسس، لترد الصين بإغلاق القنصلية الأمريكية في تشنجدو.
كما أثارت زيارة رئيسة مجلس النواب الأمريكي السابقة نانسي بيلوسي، إلى تايبيه عام 2022 غضب بكين، التي ردت بمناورات عسكرية واسعة حول تايوان وتعليق عدد من قنوات الحوار الثنائية.
وفجرت أزمة "المنطاد الصيني"، فبراير 2023، مواجهة جديدة بعد إسقاط سلاح الجو الأمريكي منطادًا صينيًا حلق فوق الأراضي الأمريكية، بينما قالت بكين إنه منطاد مدني للأرصاد الجوية انحرف عن مساره، في حين اعتبرته واشنطن أداة للتجسس.
"أمريكا أولًا" وتصاعد الرسوم
وخلال ولايته الثانية، أعاد ترامب تفعيل نهجه القائم على شعار "أمريكا أولًا"، فارضًا رسومًا جمركية مرتفعة على الواردات الصينية، مبررًا ذلك بالعجز التجاري، وتدفقات الفنتانيل، ومخاوف الأمن القومي.
وردت الصين بفرض رسوم مضادة، ما أدى إلى تصاعد الحرب التجارية وارتفاع الرسوم الأمريكية على بعض السلع الصينية إلى 145%، بحلول أبريل 2025.
ويرى مراقبون أن هذه التطورات، إلى جانب القيود على تصدير التكنولوجيا ومحاولات فك الارتباط في سلاسل التوريد، دفعت العلاقات الأمريكية الصينية من مرحلة "التعاون الحذر" إلى "التنافس الإستراتيجي المفتوح".
تايوان.. نقطة الاشتعال الرئيسية
ويبقى ملف تايوان نقطة الاشتعال الأخطر في العلاقات الثنائية، إذ تعتبر بكين الجزيرة جزءًا لا يتجزأ من الصين، وتؤكد أنها لا تستبعد استخدام القوة لإعادتها إذا لزم الأمر.
ورغم أن معظم دول العالم، بما فيها الولايات المتحدة، لا تعترف بتايوان كدولة مستقلة، فإن واشنطن ترفض أي محاولة لفرض السيطرة على الجزيرة بالقوة، كما يفرض القانون الأمريكي تزويد تايوان بالأسلحة الدفاعية.
وفي السنوات الأخيرة، كثفت الصين دورياتها وتحركاتها العسكرية قرب الجزيرة، ما جعل أي إشارة قد تصدر عن ترامب بشأن دعم سياسة "الصين الواحدة" محل متابعة دقيقة من قبل المجتمع الدولي.