يصل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، العاصمة الصينية بكين، اليوم الأربعاء، في زيارة تاريخية تستمر حتى 15 مايو الجاري، وسط ترقب عالمي واسع لما ستسفر عنه القمة المرتقبة مع الرئيس الصيني شي جين بينج، في ظل تصاعد التوترات السياسية والاقتصادية بين أكبر قوتين اقتصاديتين بالعالم.
وتأتي الزيارة بعد تسع سنوات على أول زيارة أجراها ترامب إلى الصين عام 2017، لكنها هذه المرة تُعقد في ظروف دولية أكثر تعقيدًا، مع استمرار الحرب التجارية، وتصاعد المنافسة التكنولوجية، والتوترات بشأن تايوان، إلى جانب أزمات الشرق الأوسط والحرب الدائرة حول النفوذ العالمي.
وتري صحيفة ساوث تشاينا مورنينج بوست، أن القمة تُمثل اختبارًا جديدًا لقدرة واشنطن وبكين على احتواء خلافاتهما ومنع انزلاق العلاقة الثنائية إلى مواجهة أكثر حدة، خاصة بعدما انتقلت العلاقات، خلال السنوات الأخيرة من مرحلة "التعاون الحذر" إلى "التنافس الإستراتيجي المفتوح".
التجارة والرسوم الجمركية
ومن المتوقع أن تتصدر الملفات الاقتصادية جدول أعمال المباحثات بين ترامب وشي جين بينج، في ظل استمرار تداعيات الحرب التجارية، التي أعاد ترامب تصعيدها خلال ولايته الثانية تحت شعار "أمريكا أولًا".
ويُنتظر أن يناقش الجانبان سبل تمديد الهدنة التجارية الحالية، واحتواء التصعيد الجمركي، الذي أدى إلى فرض واشنطن رسومًا مرتفعة على الواردات الصينية، مقابل إجراءات مضادة من بكين.
كما تشير التوقعات إلى إمكان إعلان صفقات اقتصادية تشمل شراء الصين طائرات من شركة Boeing، وزيادة واردات المنتجات الزراعية والطاقة الأمريكية، إلى جانب تفاهمات تتعلق بإمدادات المعادن النادرة، التي تُعد عنصرًا حيويًا في الصناعات التكنولوجية العالمية.
تايوان.. الملف الأخطر
ورغم أهمية الملفات الاقتصادية، يبقى ملف تايوان القضية الأكثر حساسية على طاولة المباحثات.
فالصين تعتبر الجزيرة جزءًا لا يتجزأ من أراضيها، وتؤكد رفضها لأي خطوات تدعم استقلالها، بينما تواصل الولايات المتحدة دعم القدرات الدفاعية لتايبيه.
وتسعى بكين، بحسب تقارير إعلامية، إلى دفع إدارة ترامب لاتخاذ موقف أكثر وضوحًا ضد استقلال تايوان، خاصة بعد تصاعد التوترات العسكرية والسياسية حول الجزيرة، خلال السنوات الأخيرة.
ويرى محللون أن أي إشارات قد تصدر عن ترامب بشأن سياسة "الصين الواحدة" ستكون محل متابعة دقيقة، باعتبار أن تايوان تُمثل نقطة الاشتعال الأخطر في العلاقات الأمريكية الصينية.
إيران والشرق الأوسط
ومن الملفات البارزة أيضًا التي سيناقشها الجانبان، الأزمة الإيرانية والتطورات المتسارعة في الشرق الأوسط.
وتضغط واشنطن على بكين لاستخدام نفوذها لدى إيران من أجل تهدئة التوترات، بينما ترفض الصين الانخراط في سياسة العقوبات الأمريكية، وتؤكد ضرورة الحلول السياسية والدبلوماسية.
ويخشى مراقبون من أن يتحول الملف الإيراني إلى ساحة خلاف إضافية بين واشنطن وبكين، في ظل التباين الكبير في مواقف الطرفين تجاه أزمات المنطقة.
التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي
كما ستتطرق القمة إلى التنافس المتصاعد في مجالات التكنولوجيا المتقدمة والذكاء الاصطناعي وأشباه الموصلات، في ظل استمرار القيود الأمريكية على تصدير التكنولوجيا المتطورة إلى الصين.
وتعتبر واشنطن أن التفوق التكنولوجي يُمثل قضية أمن قومي، بينما تسعى بكين إلى تسريع خطط الاكتفاء الذاتي وتقليل الاعتماد على التكنولوجيا الغربية.
ومن المتوقع أيضًا مناقشة مستقبل سلاسل الإمداد العالمية، خاصة في القطاعات الإستراتيجية المرتبطة بالصناعات الإلكترونية والطاقة.
ملفات أمنية وجيوسياسية
ومن المرجح أن تشمل المباحثات كذلك الملف النووي الكوري الشمالي، والتوترات في بحر الصين الجنوبي، في ظل استمرار الخلافات الجيوسياسية بين البلدين في منطقة آسيا والمحيط الهادئ.
وتتهم بكين الولايات المتحدة بمحاولة احتواء صعودها عبر تعزيز تحالفاتها العسكرية في المنطقة، بينما تؤكد واشنطن أن تحركاتها تهدف إلى حماية الاستقرار وحرية الملاحة.
أجواء دبلوماسية ورسائل سياسية
ومن المتوقع أن تحظى زيارة ترامب بمراسم استقبال رسمية واسعة، تُعيد إلى الأذهان أجواء زيارته الأولى إلى الصين عام 2017، عندما استقبلته بكين بحفاوة كبيرة داخل المدينة المحرمة، وأُعلن آنذاك صفقات تجارية ضخمة.
ويرجح أن يكرر ترامب حديثه عن "علاقته الجيدة" مع شي جين بينج، رغم التدهور الكبير الذي شهدته العلاقات الثنائية، خلال السنوات الماضية، بسبب الحرب التجارية، وأزمة كورونا، والتوترات حول تايوان، وأزمة "المنطاد الصيني".
ورغم التوقعات بإمكان التوصل إلى تفاهمات اقتصادية محدودة خلال الزيارة، فإن مراقبين يرون أن القضايا الهيكلية الأعمق، وفي مقدمتها الصراع على النفوذ العالمي والتفوق التكنولوجي ومستقبل تايوان، ستبقى عوامل رئيسية تُبقي العلاقات الأمريكية الصينية في دائرة التوتر طويل الأمد.