كشفت تقارير أمريكية عن انخراط آلاف الشبان الأفارقة في القتال إلى جانب روسيا في حربها ضد أوكرانيا، وسط اتهامات متزايدة لوسطاء وشبكات تجنيد باستدراجهم عبر وعود عمل مضللة قبل دفعهم قسرًا إلى توقيع عقود عسكرية.
وبحسب تحقيقات نشرتها صحيفة "نيويورك تايمز" الأمريكية، فإن بعض هؤلاء الشبان نشروا مقاطع مصورة تُظهرهم إلى جانب جنود روس في أجواء بدت احتفالية، إلا أن روايات أخرى ترسم صورة قاتمة، حيث يؤكد كثيرون أنهم وقعوا ضحية خداع ممنهج انتهى بهم إلى خطوط القتال، فيما لقي عدد كبير منهم حتفه في ساحات المعارك.
عروض عمل.. ولكن
وتُفسَّر هذه الظاهرة، وفق محللين، بعاملين رئيسيين؛ أولًا: حاجة موسكو المتزايدة لتعويض خسائرها البشرية، وثانيًا: بحث الشباب الأفارقة عن فرص عمل خارج بلدانهم.
وتشير تقديرات صادرة عن مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية إلى أن الحرب كلّفت روسيا نحو 1.2 مليون جندي بين قتيل وجريح ومفقود منذ بدء الحرب الروسية الأوكرانية، ما يفرض ضغوطًا متزايدة على المؤسسة العسكرية الروسية.
وفي هذا السياق، تبدو القارة الإفريقية هدفًا مغريًا للتجنيد، نظرًا لامتلاكها أسرع نمو سكاني شبابي في العالم، فضلًا عن الأزمات الاقتصادية التي تدفع آلاف الشباب إلى الهجرة بحثًا عن العمل.
يروي عدد من الشبان الأفارقة أنهم سافروا إلى روسيا بناءً على عروض عمل غير واضحة، قبل أن يجدوا أنفسهم تحت ضغط لتوقيع عقود عسكرية مكتوبة باللغة الروسية دون فهم مضمونها.
ويؤكد بعض العائدين أنهم أُجبروا على الالتحاق بالجبهات، حيث معدلات القتل والإصابة مرتفعة للغاية، ما دفع البعض لوصف خطوط القتال بـ"منطقة الموت".
ورغم الوعود برواتب مرتفعة مقارنة ببلدانهم الأصلية، يشير هؤلاء إلى عراقيل كبيرة في الحصول على مستحقاتهم المالية، سواء بسبب صعوبة الوصول إلى الحسابات البنكية أو تعرّضهم لعمليات احتيال من قِبل وسطاء وشركات توظيف.
الدافع الخفي
وتعكس هذه الظاهرة أزمة هيكلية في أسواق العمل الإفريقية، إذ يعاني معظم الشباب دون سن 35 من العمل في القطاع غير الرسمي، بأجور منخفضة ودون ضمانات.
وفي ظل غياب فرص حقيقية، يلجأ كثيرون إلى الهجرة، سواء داخل القارة أو خارجها، بما في ذلك وجهات محفوفة بالمخاطر مثل روسيا، حيث تتحول فرص العمل الموعودة أحيانًا إلى بوابة للانخراط في النزاعات المسلحة.
ورغم تصاعد القلق، تواجه الحكومات الإفريقية تحديات في الحد من هذه الظاهرة، إذ إن الهجرة بحثًا عن العمل ليست غير قانونية. ومع ذلك، بدأت بعض الدول اتخاذ إجراءات استباقية.
في كينيا، أعلن وزير الخارجية أ موساليا مودافادي أن روسيا تعهدت بعدم تجنيد مواطنين كينيين، كما شرعت السلطات في منع سفر بعض الشبان إلى وجهات يُشتبه في ارتباطها بعمليات التجنيد.
وفي جنوب إفريقيا، تعهد الرئيس سيريل رامافوزا، بالتنسيق مع نظيره الروسي فلاديمير بوتين، بالعمل على إعادة المواطنين المشاركين في القتال.
كما أصدرت دول عدة، بينها نيجيريا وغانا، تحذيرات رسمية لمواطنيها من الوقوع ضحية لعمليات تجنيد احتيالية قد تقودهم إلى ساحات الحرب.
وفي المقابل، تنفي موسكو وجود سياسة رسمية لتجنيد مقاتلين من إفريقيا، مؤكدة أن جميع الأجانب الذين يقاتلون إلى جانبها يفعلون ذلك طوعًا.