الموقع الرسمي | القاهرة الاخبارية

"جيش اللصوص".. شهادات يوثقها قادة الاحتلال من بن جوريون إلى زامير

  • مشاركة :
post-title
نتنياهو وسط جنود جيش الاحتلال في غزة

القاهرة الإخبارية - عبدالله علي عسكر

"النهب وصمة عار على الجيش بأكمله ولن نكون جيشًا من اللصوص".. لا تزال هذه الكلمات التي قالها أحد أكبر قيادات الجيش الإسرائيلي تثير جدلًا كبيرًا داخل دولة الاحتلال، إذ رصدت وسائل الإعلام الإسرائيلية شهادات موثقة عبر سنوات، تكشف ظاهرة نهب شبه ممنهجة خلال تاريخ الحروب الإسرائيلية في مناطق متعددة عبر عقود.

شهادات حديثة

ورغم أن بعض قادة دولة الاحتلال لا يزالون يرددون مقولة أنهم يمتلكون جيشًا هو "الأكثر أخلاقًا في العالم"، وثّقت عدد من وسائل الإعلام الإسرائيلية شهادات من جنود الجيش تؤكد ارتكاب عمليات سرقة ونهب تحولت إلى ظاهرة ملاصقة لكل الحروب التي خاضتها إسرائيل على مر تاريخها القصير.

صحيفة "هآرتس" الإسرائيلية نقلت شهادات من جنود في الجيش الإسرائيلي تؤكد ارتكاب زملائهم في الجيش عمليات نهب واسعة في جنوب لبنان، مستهدفين منازل ومتاجر تركها سكانها أو طُردوا منها بسبب الحرب.

قال أحد جنود الاحتياط في الجيش إن "النهب يتم على نطاق واسع، حيث يأخذ الجنود أجهزة وأدوات وسجائر وغيرها، ويضعونها في سياراتهم أو يتركونها في العلن دون إخفاء"، مشيرًا إلى أن الجميع يرى هذه الممارسات ويدركها، بما في ذلك القادة، دون اتخاذ إجراءات فعلية لمنعها أو الحد منها.

وينهب الجنود ممتلكات متنوعة من الدراجات إلى السجاد، مع علم القادة الصغار والكبار، وفق ما ورد في التقرير المنشور في صحيفة "هآرتس".

صرّح رئيس الأركان إيال زامير في مؤتمر القيادة العليا للجيش الإسرائيلي الذي عُقد الأسبوع الماضي، في إشارة إلى التقارير المتعلقة بظاهرة النهب التي يرتكبها المقاتلون: "النهب وصمة عار على الجيش بأكمله ولن نكون جيشًا من اللصوص".

بن جوريون: "معظم اليهود لصوص"

وفي كتاب "نهب الممتلكات العربية في حرب 1948" للمؤرخ الإسرائيلي آدم راز، اقتُبست تصريحات لأبرز ساسة الحكم الإسرائيلي الناشئ في ذلك الوقت، ينتقدون جرائم النهب، لكن في استنتاجاته يرى المؤرخ أن هذه الجرائم كانت تُغطّى من القادة رغم ما نطقوا به من إدانات.

ويقتبس المؤرخ ما ورد على لسان دافيد بن جوريون، رئيس أول حكومة إسرائيلية، في محضر جلسة لحزب "مباي" في 24 يوليو 1948، بعد شهرين من إعلان قيام إسرائيل، حيث قال: "اتضح أن معظم اليهود لصوص... أقول هذا عن قصد وببساطة، لأن هذا للأسف صحيح".

ويقول المؤرخ الإسرائيلي آدم راز في مقابلة سابقة مع صحيفة "هآرتس"، إن "العديد من شرائح الجمهور الإسرائيلي، مدنيين ومقاتلين على حد سواء، متورطون في نهب ممتلكات الجمهور العربي، فقد انتشر النهب كالنار في الهشيم بين الجمهور اليهودي".

وأشار راز إلى رسالة الرئيس الإسرائيلي الثاني يتسحاق بن تسفي، الذي كتب لبن جوريون قائلًا: "إن النهب والسرقة يتورط فيهما يهود محترمون، يرون أن السرقة أمر طبيعي ومسموح به".

السرقة متجذرة

ووفقًا لصحيفة "هآرتس"، تشير وثائق تعود إلى عام 1948 إلى عمليات نهب في يافا، حيث كتب مسؤول في وزارة الأقليات إلى وزير الشرطة بيخور شالوم شيتريت عن انتشار السلب بين الجنود والمدنيين.

ذكر المسؤول أن اللصوص كانوا يُطلق سراحهم دون تحقيق، وأن بعضهم أفلت بسبب علاقاته مع قادة، كما أشار إلى نقل بضائع مسروقة من يافا إلى تل أبيب، وإلى حادثة إطلاق النار على تاجر عربي طلب الحماية من السرقة.

ولفتت الصحيفة العبرية إلى أن حروب 1956 و1967 شهدت أيضًا عمليات نهب واسعة، حيث أبلغ نائب رئيس الأركان حاييم لاسكوف عن نهب في قطاع غزة خلال حملة سيناء.

وقدمت سوريا شكوى إلى الأمم المتحدة عام 1967 تحدثت عن سرقة ونهب واسع في الجولان، شملت المجوهرات والأجهزة ونهب المنازل والمتاجر، ونقلت الممتلكات المسروقة إلى داخل إسرائيل، كما ورد في الشكوى، في ظل غياب رقابة فعالة على هذه الممارسات.

قلقيلية ولبنان

شهدت قلقيلية عام 1967 عمليات نهب شاركت فيها قوافل مدنية ومؤسسات رسمية، حيث جرى نقل معدات مدارس إلى داخل إسرائيل. وخلال حرب لبنان الأولى، وثّق الضابط دوف يرميا نهب الممتلكات من قبل ضباط، مع محاولات للحد من تغطية الصحافة لهذه الأفعال.

وأظهرت شهادات من الانتفاضة الأولى عام 1987 انتشار العنف والنهب، وفق ما جمعه الجنديان رولي روزن وإيلانا هامرمان، وقال جندي احتياطي: "إن التقارير الإعلامية لا تعكس الواقع"، مشيرًا إلى منع الصحفيين من الوصول إلى مناطق الأحداث.

وأكد أن القيود المفروضة على الإعلام تهدف إلى عدم إظهار ما يقوم به الجنود على الأرض.

وتشير "هآرتس" إلى أن هذه الوقائع، وفق الشهادات، تعكس نمطًا متكررًا من النهب في مناطق النزاع عبر فترات مختلفة، موضحة أن الشهادات المتراكمة تلفت إلى نمط مستمر، يحظى فيه النهب بتسامح عملي منذ تأسيس الدولة.

نهب واسع النطاق

وقالت جولدا مائير، رابع رئيس وزراء للحكومة الإسرائيلية، إن الجيش لم يبذل جهدًا لوقف نهب حيفا عام 1948، باستثناء إجراءات محدودة لم تكن فعالة، وأوضح المدعي العام حينها ألكساندروني أن النهب كان واسع النطاق ويصل إلى مستويات عليا، وفق ما ورد في الشهادات.

وجاء في ملف أرشيف لدائرة ما يسمى "الوصي على أملاك الغائبين" تصريح لدوف شافرير، تم توثيقه عام 1949، يعبر فيه عن أسفه لعدم اتخاذ إجراءات حاسمة لوقف النهب، معتبرًا أن ذلك كان سيمنع الفشل الأخلاقي، وأشار إلى أن الظاهرة استمرت عبر الحروب اللاحقة دون معالجة فعالة.

أفادت منظمة "كسر الصمت" في أبريل 2025 بأن هناك تجاهلًا من القيادات العليا لظاهرة النهب في غزة، وفق شهادة أحد الجنود، وأوضح الجندي أن هذه الممارسات مقبولة ضمنيًا، ولا يتم التعامل معها بجدية من قبل المسؤولين.

وتشير "هآرتس" إلى أن الحكومة الإسرائيلية لا تشجع هذه الممارسات بشكل مباشر، لكنها لا تتخذ إجراءات فعالة لوقفها، ومنذ اندلاع الحروب الأخيرة، لم تُسجل سوى حالة واحدة انتهت بصفقة إقرار بالذنب، بينما تستمر الوقائع دون محاسبة واضحة.