تستعد العاصمة الروسية موسكو لإحياء ذكرى "يوم النصر" في التاسع من مايو المقبل، وهو الحدث الأبرز سنويًا للرئيس الروسي فلاديمير بوتين، الذي يستعرض خلاله أحدث الأسلحة والمنظومات القتالية، إلا أن نسخة هذا العام تأتي بطابع أكثر تواضعًا، في ظل ظروف ميدانية وأمنية معقدة فرضتها الحرب المستمرة في أوكرانيا.
وأعلنت وزارة الدفاع الروسية أن العرض سيقتصر على مسيرات راجلة لقوات من الأكاديميات العسكرية ووحدات الجيش، في خطوة لافتة تمثل خروجًا عن التقليد المعتاد، إذ لن تشارك الآليات والمعدات العسكرية الثقيلة في المرور أمام ضريح لينين، وهو ما يعكس تغيرًا واضحًا في طبيعة الحدث، بحسب شبكة "سي إن إن" الأمريكية.
تقليص القدرات العسكرية
وعلى الرغم من أن البيان الرسمي أرجع القرار إلى "الوضع العملياتي الحالي"، فإن المعطيات على الأرض تشير إلى أسباب أعمق، تتعلق بتحديات تواجهها موسكو في الحرب مع أوكرانيا، بما في ذلك الضربات التي تستهدف البنية التحتية الحيوية، لا سيما في قطاعي النفط والغاز، إضافة إلى هجمات بطائرات مسيّرة طالت العمق الروسي وأثرت على الحياة اليومية في العاصمة.
من جانبه، حاول المتحدث باسم الكرملين دميتري بيسكوف تقديم تفسير مختلف، معتبرًا أن روسيا تواجه "تهديدًا إرهابيًا" من جانب كييف، وأكد أن الإجراءات المتخذة تهدف إلى تقليل المخاطر، مع الإبقاء على إقامة العرض ولكن بصيغة مصغرة.
يأتي هذا التراجع في حجم العرض ضمن نمط مستمر منذ اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية عام 2022، إذ تم إلغاء العروض الجوية في بعض السنوات، بينما اقتصر عرض 2024 على دبابة واحدة من طراز "تي-34" تعود إلى حقبة الحرب العالمية الثانية. وعلى النقيض، شهدت نسخة العام الماضي، التي صادفت الذكرى الثمانين لانتصار الاتحاد السوفيتي على ألمانيا النازية، عرضًا واسع النطاق بحضور قادة دول حليفة، من بينهم الرئيس الصيني شي جين بينج.
ورغم تقليص العرض هذا العام، أكدت وزارة الدفاع الروسية أن الفقرات الجوية ستبقى حاضرة، إذ ستقوم طائرات "سو-25" برسم ألوان العلم الروسي في سماء موسكو، في محاولة للحفاظ على الطابع الرمزي والاستعراضي للحدث.
اشتعال الداخل الروسي
يأتي هذا التغيير في توقيت حساس بالنسبة للكرملين، مع تصاعد الضغوط الداخلية والخارجية. فقد شهدت روسيا في الأسابيع الأخيرة اضطرابات في خدمات الإنترنت، بررتها السلطات بدواعٍ أمنية، لكنها أثارت انتقادات نادرة من المواطنين.
كما كشفت الهجمات الأوكرانية المتكررة على منشآت حيوية، مثل مصفاة توابسي على البحر الأسود، عن هشاشة نسبية في البنية الاقتصادية.
وفي السياق ذاته، حذرت رئيسة البنك المركزي الروسي إلفيرا نابيولينا من أزمة غير مسبوقة في سوق العمل، مشيرة إلى نقص حاد في العمالة لم تشهده البلاد في تاريخها الحديث، وهو ما يرتبط بموجات الهجرة الواسعة ونقص الكوادر نتيجة التعبئة العسكرية والخسائر البشرية في الجبهة الأوكرانية.
ويطرح هذا المشهد تساؤلات متزايدة حول قدرة روسيا على الحفاظ على صورة القوة العسكرية التي لطالما حرصت على إظهارها في مثل هذه المناسبات. فبينما كان عرض "يوم النصر" يستخدم تاريخيًا كرسالة ردع وإثبات للجاهزية الدفاعية، يبدو أن نسخة هذا العام تعكس واقعًا أكثر تعقيدًا، تتداخل فيه التحديات العسكرية مع الضغوط الاقتصادية والأمنية، بحسب "سي إن إن".