في العاصمة الإيرانية طهران، تبدو الحياة وكأنها عادت إلى مسارها الطبيعي بعد أسابيع من التصعيد العسكري، إلا أن هذا الهدوء الظاهري يخفي واقعًا أكثر تعقيدًا، تتداخل فيه الأزمات الاقتصادية مع أجواء أمنية مشددة، وسط حالة من القلق والترقب بين السكان.
هدوء هش
وتقول "داريا"، وهي مديرة مبيعات في إيران تبلغ من العمر 39 عامًا، إن الحياة اليومية مستمرة على السطح؛ فالمقاهي والمطاعم مفتوحة، وحركة المرور عادت إلى ازدحامها المعتاد، بحسب صحيفة "ذا تايمز" البريطانية.
وأضافت: "أبدأ يومي بالنزول عبر شوارع حي يوسف آباد، أحد أحياء الطبقة الوسطى العليا، قبل أن تستقل حافلة تمر عبر شارع ولي عصر، الذي يربط شمال طهران بجنوبها".
وعلى الرغم من هذا المشهد، تشير "داريا" إلى تغيرات واضحة، أبرزها الارتفاع الكبير في الأسعار. إذ ارتفعت تكلفة وجبة الإفطار البسيطة إلى نحو 450 ألف تومان، وهو ما تعتبره رفاهية تحافظ بها على روتينها السابق للحرب.
اقتصاد تحت القصف
ويعاني سكان طهران من موجة تضخم حادة، حيث تضاعفت أسعار العديد من السلع الأساسية.
وأكد "نويد"، وهو يعمل في مجال التسويق الرقمي بإيران، أن أسعار المواد الغذائية، مثل الجبن، ارتفعت بشكل كبير، ما دفع الكثيرين إلى الاستغناء عنها.
بدوره، أوضح "سيا مك"، العامل في قطاع المطاعم بإيران، أن أسعار المواد الخام مثل الدجاج والبيض والحليب شهدت زيادات تتراوح بين أربعة إلى خمسة أضعاف خلال شهر واحد فقط، ما أدى إلى توقف العديد من الشركات أو عملها بخسائر.
تأتي هذه التطورات في ظل اعتماد السلطات الإيرانية على ما تسميه "اقتصاد المقاومة"، لمواجهة تداعيات العقوبات الدولية والحرب، وهي سياسة كانت مطبقة حتى قبل اندلاع النزاع.
وتفاقمت الأزمة مع استمرار انقطاع الإنترنت، الذي دخل أسبوعه السابع، في خطوة وصفت بأنها غير مسبوقة من حيث المدى والمدة. وأثر هذا الانقطاع بشكل مباشر على الأعمال، حيث أغلقت العديد من الشركات أبوابها، خاصة تلك التي تعتمد على الخدمات الرقمية.
وبحسب "ذا تايمز"، فإن رجال أعمال في إيران أكدوا أن الخسائر اليومية تقدر بعشرات الملايين من الدولارات، في حين أصبح الوصول إلى خدمات الإنترنت يتطلب شراء شبكات افتراضية خاصة بأسعار مرتفعة، لا يستطيع كثير من الإيرانيين تحملها.
انقسام الشارع الإيراني
وعلى الصعيد الأمني، يصف سكان العاصمة انتشارًا مكثفًا لقوات الأمن ونقاط التفتيش، التي تقوم بعمليات تفتيش للهواتف واستجواب المواطنين، وسط اتهامات بتطبيق إجراءات تعسفية. كما أشار البعض إلى وجود عناصر مسلحة وميليشيات موالية، تجوب الشوارع في استعراضات مستمرة.
وتزامن ذلك مع آثار مباشرة للغارات الجوية، التي طالت أحياء سكنية وأدت إلى سقوط ضحايا، فضلا عن تدمير منشآت ومبانٍ، ما ترك أثرًا نفسيًا عميقًا لدى السكان.
وفي ظل وقف إطلاق نار هش، ينقسم الإيرانيون بين من يأمل في التوصل إلى اتفاق ينهي الحرب، وبين من يرى أن استئنافها قد يؤدي إلى تغيير سياسي جذري. إلا أن القاسم المشترك بين الجانبين هو القلق من المستقبل، خاصة مع مخاوف من تشدد أكبر في سياسات النظام.