الموقع الرسمي | القاهرة الاخبارية

ذو القدر مثال لإيران الجديدة.. الدين على الهامش والقوة الأمنية تهيمن

  • مشاركة :
post-title
محمد باقر ذو القدر أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني

القاهرة الإخبارية - أحمد صوان

قبل 47 عامًا، تأسست الجمهورية الإيرانية لتُحكم من قِبل رجال الدين، لكن بعد الهجمات الأخيرة، والخسائر التي تعرّض لها النظام الإيراني، بدا الآن أن الدولة تُدار من قِبل جهة أخرى. إلا أن قصة الجهة التي تُديرها، وكيف حدث هذا التحول، لا تزال غامضة وغير مفهومة على نطاق واسع.

وبينما يرى كثيرون أن الحرب مع الولايات المتحدة وإسرائيل دفعت الحكومة الإيرانية إلى أحضان مؤسستها الأمنية المتشددة. وهي رواية مثيرة للاهتمام، لكنها غير مكتملة بشكل جذري. فعسكرة السياسة الإيرانية لم تبدأ مع الحرب الحالية، ولا مع أزمات العقد الماضي.

وحسب تحليل لمجلة "فورين بوليسي"، فإن ما نشهده اليوم "ليس ظهور دولة أمنية علمانية، بل ذروتها".

وشهد التاريخ الإيراني الحديث لحظاتٍ طغى فيها السعي إلى النظام على أشكال الشرعية الأخرى. فمن الملك رضا شاه إلى المرشد الأعلى روح الله الخميني، غالبًا ما تجمعت السلطة السياسية حول شخصيات قادرة على فرض التماسك على نظامٍ متشرذم.

ويتبع صعود الحرس الثوري الإيراني هذا النمط. فالجديد ليس التحول نحو السلطة المنضبطة، بل مدى هيمنتها على النظام برمته. وربما ساهمت الضغوط الخارجية في تسريع هذه التوجهات، لكنها لم تخلقها.

ولفهم كيف وصلت إيران إلى هذه المرحلة، يبدو تتبع مسيرة زعيم صاعد حديثًا، هو محمد باقر ذو القدر، الذي جاء تعيينه خلفًا لعلي لاريجاني، كبير مستشاري الأمن الذي قُتل في الحرب منتصف مارس الماضي، "ليس مجرد تعديل إداري روتيني، بل هو بمثابة إعلان عن ظهور شخصية لطالما ساهمت في تشكيل الجمهورية الإسلامية من وراء الكواليس، التي بدأت تبرز الآن بشكل أوضح".

ويلفت التحليل إلى أن "الجمهورية الإيرانية لا تزال تتحدث بلغة الحكم الديني، لكنها تُحكم بشكل متزايد من قِبل أولئك الذين لم يعودوا بحاجة إليه".

نفوذ متراكم

لا يُعتبر "ذو القدر" سياسيًا بالمعنى التقليدي. فهو لم يعتمد قط على الانتخابات، أو الشعبية، أو حتى الظهور المستمر. بل تطورت مسيرته المهنية بالكامل تقريبًا ضمن ما يمكن تسميته "البنية التحتية الصلبة" للنظام: الحرس الثوري، وجهاز الاستخبارات، والشبكات الكثيفة التي تربطهم بالدولة.

أيضًا، ينتمي الرجل إلى جيل تشكّل قبل أن تتشكل الدولة الحالية بشكل كامل. كان موطنه السياسي الأول هو "المنصورون"، وهي شبكة ثورية سرية سيشغل أعضاؤها لاحقًا مناصب عليا في الحرس الثوري. وفي هذا المناخ، لم تكن الأيديولوجيا والأمن والتنظيم مجالات منفصلة، ​​بل كانت شيئًا واحدًا.

وخلال الحرب الإيرانية العراقية، كان دور "ذو القدر" في وحدة تابعة للحرس الثوري تُعرف باسم "مقر رمضان" في قلب العمليات الحربية والاستخباراتية. وتشير "فورين بوليسي" إلى أن هذه "لم تكن مجرد خبرة ميدانية، بل كانت أيضًا تدريبًا على أسلوب محدد لممارسة السلطة: غير مباشر، ومتشابك، ومتغلغل عبر الحدود والمؤسسات".

بعد الحرب، وعلى مدى أكثر من عقد من الزمن على رأس الحرس الثوري، بما في ذلك منصب نائب القائد، راكم "ذو القدر" نفوذًا ليس من خلال السلطة العامة، بل من خلال عمقه المؤسسي.

في الوقت نفسه، لا يُمكن فهم مسار "ذو القدر" إلا في سياق تحوّل أوسع نطاقًا، بدأ في أواخر التسعينيات. فقد فتحت رئاسة محمد خاتمي لفترة وجيزة المجال السياسي، وتحدث الإصلاحيون عن المجتمع المدني وسيادة القانون والتعددية السياسية. وللحظة، بدت الجمهورية الإسلامية قادرة على التطور.

أثارت تلك اللحظة ردة فعل. فخلال احتجاجات الطلاب عام 1999، وجّه كبار قادة الحرس الثوري تحذيرًا شديد اللهجة إلى خاتمي، مُشيرين إلى أن الجيش سيتدخل إذا ما تجاوزت الإصلاحات حدودها. لم يكن هذا انقلابًا بالمعنى الحرفي، لكن عواقبه كانت أشدّ وطأة.

في الواقع، لم يستولِ الحرس الثوري على السلطة، بل حدد حدودها. ومنذ تلك اللحظة، لم يعد الجيش مجرد ركن من أركان النظام، بل أصبح الحكم النهائي فيه.

تحول عملي

عندما أصبحت الدولة الأمنية النمط الافتراضي للحكم في طهران، جسّدت مسيرة شخصيات رئيسية في البلاد ما يعنيه هذا التحوّل عمليًا.

مثّل علي لاريجاني نموذجًا قديمًا للسلطة، ومزيجًا من المُنظّر والتكنوقراطي والوسيط. وكان قادرًا على التنقل بين المؤسسات والتحدث إلى جماهير متعددة، بما في ذلك جماهير خارج إيران.

ويمثل محمد قاليباف شخصية انتقالية، فقد كان قائدًا سابقًا في الحرس الثوري، ثم انتقل إلى مناصب مدنية - قائدًا للشرطة ورئيسًا لبلدية طهران ورئيسًا للبرلمان- جامعًا بين الخبرة الأمنية والإدارية. وتعكس مسيرته المهنية عسكرة السياسة، ولكن في شكل هجين تكنوقراطي.

لكن يمثل "ذو القدر" شيئًا مختلفًا "فهو ليس جسرًا بين عالمين، بل هو نتاج أحدهما. لا يتوسط بين السياسة والعسكرية، بل يجسّد اندماجهما. وهذا هو المعنى الأعمق لصعوده"، وفق التحليل الذي يشير إلى أن الأمر "ليس مجرد دخول مسؤولين أمنيين إلى عالم السياسة، بل إن الحاجة إلى الوساطة السياسية نفسها تتضاءل".

وتختم "فورين بوليسي" في تقريرها بأنه: "لم يعد الجهاز الأمني ​​اليوم يكتفي بوضع الحدود، بل بات يمارس الحكم المباشر. فالحرس الثوري وشبكاته التابعة له منتشرة في أرجاء الدولة، حيث تُشكّل السياسة الخارجية، وتُسيطر على القطاعات الاقتصادية الرئيسية، وتؤثر في النتائج السياسية. في الوقت نفسه، أصبحت المؤسسة الدينية -المصدر الأصلي لشرعية النظام- هامشية بشكل متزايد. لا يزال خطابها قائمًا، ومؤسساتها باقية، لكن دورها في صياغة النتائج قد تضاءل".

من المؤكد أن إيران لا تتخلى عن هويتها الأيديولوجية، لكنها تعيد تنظيمها حول مركز ثقل مختلف. من هذا المنطلق، تبدو اللحظة الراهنة أقرب إلى نهاية مسار طويل منها إلى قطيعة.