في أعقاب إعلان وقف إطلاق النار المرتبط بالحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران في 7 أبريل 2026، برزت تحركات أذرع إيران الإقليمية كأحد العناصر الأساسية في متابعة مسار التهدئة والتصعيد. وتتمثل هذه الأذرع في عدد من الفاعلين المسلحين، من أبرزهم حزب الله في لبنان، والفصائل المسلحة الموالية لإيران في العراق، إلى جانب جماعة أنصار الله (الحوثي) في اليمن، حيث تنشط هذه الأطراف في بيئات مختلفة لكنها ترتبط بإطار إقليمي واحد.
وتزامن إعلان التهدئة مع استمرار بعض العمليات العسكرية في عدد من الساحات، خاصة في لبنان والبحر الأحمر، إلى جانب تحركات ميدانية متباينة لهذه الأطراف، ما يعكس تعدد مسارات التفاعل مع قرار وقف إطلاق النار، كما شهدت الفترة ذاتها جهودًا دبلوماسية لاحتواء التصعيد، في ظل تداخل الأدوار الإقليمية والدولية، واستمرار حالة التوتر في أكثر من جبهة داخل الشرق الأوسط.
تأسيسًا على ما تقدم، يسعى التحليل للإجابة عن سؤال: ما موقف أذرع إيران من قرار وقف إطلاق النار؟
مواقف متباينة
تعكس مواقف أذرع إيران من وقف إطلاق النار تباينًا واضحًا يرتبط بطبيعة كل ساحة صراع وحساباتها الداخلية، فنجد:
(*) حزب الله في لبنان: يُعد حزب الله الطرف الأكثر ارتباطًا مباشرة بأي ترتيبات أمنية إقليمية؛ نظرًا لاحتكاكه المباشر مع إسرائيل. ومن ثم، يتعامل الحزب مع قرار وقف إطلاق النار بحذر شديد، حيث يرحب مبدئيًا بأي تهدئة قد تخفف الضغط عن إيران، لكنه في الوقت ذاته يخشى أن تتضمن التسوية بنودًا تقيد حركته العسكرية. فالتفاهمات المحتملة قد تدفع نحو تطبيق أكثر صرامة للقرار رقم 1701، أو إدخال ترتيبات أمنية تحد من نشاط الحزب جنوب لبنان، كما أن أي التزام إيراني بتقليص تدخلاته الإقليمية قد ينعكس على مستوى الدعم المقدم للحزب. وبالتالي، يجد حزب الله نفسه أمام معادلة معقدة وهي الحفاظ على سلاحه ودوره العسكري من جهة، والتكيف مع أي متغيرات إقليمية جديدة من جهة أخرى.
(*) الفصائل العراقية: تتعامل الفصائل المسلحة الموالية لإيران في العراق مع قرار وقف إطلاق النار بقدر من التردد، إذ ترى فيه مكسبًا سياسيًا لإيران، لكنه في الوقت ذاته يفرض عليها قيودًا غير مرغوبة. فهذه الفصائل، التي تعد الوجود الأمريكي هدفًا رئيسيًا لها، تخشى أن تؤدي التهدئة إلى فرض هدنة إجبارية مع القوات الأمريكية، وهو ما يتعارض مع إستراتيجيتها. كما أن أي تسوية قد تعزز من مطالب الحكومة العراقية بدمج هذه الفصائل أو نزع سلاحها، ما يهدد وجودها كقوة مستقلة. وفي هذا السياق، يبرز احتمال حدوث انقسام داخلي بين جناح سياسي قد يفضل التهدئة لتحقيق الاستقرار، وجناح عسكري يرفض التخلي عن دوره قبل تحقيق أهدافه.
(*) الحوثيون في اليمن: تمثل جماعة أنصار الله (الحوثيون) الطرف الأكثر مرونة وتوظيفًا للمتغيرات الإقليمية، فقد أظهرت الجماعة استعدادًا للتهدئة إذا كانت مرتبطة بمكاسب مباشرة، مثل تخفيف الحصار أو تحسين الوضع الإنساني في اليمن، لكنها في الوقت ذاته ترفض أي تسوية تقيد قدرتها على استهداف السفن المرتبطة بإسرائيل خاصة في ظل استمرار التوتر في غزة. وتكمن أهمية الحوثيين في كونهم ورقة ضغط فعالة بيد إيران، حيث يمكن استخدامها للتأثير على أمن الملاحة الدولية، وبالتالي تعزيز الموقف التفاوضي لطهران. ومن ثم فإن موقف الجماعة يظل مرنًا، لكنه مشروط بتحقيق مصالحها المباشرة.
محددات حاكمة
لا يمكن فهم مواقف أذرع إيران دون تحليل المحددات التي تحكم سلوكها في المرحلة الحالية، والتي تجمع بين الالتزام النسبي بالتهدئة والاستعداد المستمر للتصعيد، حيث:
(*) الارتباط الإستراتيجي بإيران كعامل حاكم: تظل أذرع إيران مرتبطة بشكل وثيق بالتوجهات الإستراتيجية لطهران، سواء من حيث التمويل أو الدعم العسكري أو التوجيه السياسي. وبالتالي فإن قرار وقف إطلاق النار يدفع هذه الأطراف إلى الالتزام النسبي بالتهدئة دعمًا للمسار الدبلوماسي الإيراني، إلا أن هذا الالتزام ليس مطلقًا بل يخضع لحسابات كل طرف على حدة.
(*) خصوصية البيئات المحلية والضغوط الداخلية: تعمل كل من هذه الأذرع في بيئة داخلية مختلفة، ما يفرض عليها مراعاة توازنات محلية معقدة. ففي لبنان، يواجه حزب الله ضغوطًا سياسية واقتصادية متزايدة، وفي العراق، تتزايد مطالب الدولة بفرض سيادتها، بينما يسعى الحوثيون في اليمن إلى تحقيق مكاسب سياسية وإنسانية، وهذه العوامل تجعل من الصعب على هذه الأطراف الالتزام الكامل بأي تهدئة لا تحقق مصالحها.
(*) استمرار التهديد الإسرائيلي والأمريكي: رغم وقف إطلاق النار، لا تزال هذه الأطراف تنظر إلى التهديدات الإسرائيلية والأمريكية باعتبارها قائمة، ما يدفعها إلى الحفاظ على جاهزيتها العسكرية. فالتهدئة الحالية تُفهَم على أنها مؤقتة، وليست نهاية للصراع، وهو ما يفسر استمرار حالة الاستعداد الميداني.
(*) استخدام التهدئة كأداة تكتيكية: تنظر أذرع إيران إلى التهدئة ليس كهدف نهائي، بل كأداة يمكن توظيفها لتحقيق مكاسب سياسية أو إعادة ترتيب الأوضاع الداخلية. ومن ثم فإن الالتزام بوقف إطلاق النار يظل مرهونًا بمدى تحقيق هذه المكاسب، وباستمرار التوازن في العلاقة مع إيران.
(*) احتمالات فشل التسوية وتأثيرها: تدرك هذه الأطراف أن أي تسوية قد تكون هشة، وقابلة للانهيار في حال حدوث تصعيد جديد أو فشل المفاوضات. لذلك تحرص على الاحتفاظ بقدراتها العسكرية وعدم تقديم تنازلات جوهرية، تحسبًا لأي تغير مفاجئ في مسار الصراع.
ختامًا، تكشف مواقف أذرع إيران من قرار وقف إطلاق النار عن حالة من التوازن الدقيق بين التهدئة والانخراط العسكري، ولا تعكس هذه المواقف انسحابًا من المشهد بقدر ما تشير إلى إعادة ضبط الإيقاع الميداني وفق التطورات الجارية. فهذه الأطراف رغم تباين ساحاتها تظل حاضرة في المعادلة الإقليمية، مع استمرار تحركاتها بدرجات متفاوتة في ظل تداخل المسارات العسكرية والدبلوماسية. وبذلك يبقى سلوك هذه الأذرع مرتبطًا بتطورات المرحلة المقبلة، في ظل استمرار التوتر، وعدم وضوح مآلات التفاهمات القائمة.