الموقع الرسمي | القاهرة الاخبارية

بين الانفصال والأمل.. كيف تعالج دراما المتحدة جراح الأسرة؟

  • مشاركة :
post-title
ماجد الكدواني بمسلسل كان ياما كان

القاهرة الإخبارية - إيمان بسطاوي

"أب ولكن وكان ياما كان" يرمِّمان جدار الأسرة وتداعيات الانفصال على الأطفال

لم تعد الدراما التلفزيونية مجرد وسيلة للترفيه أو قضاء الوقت، بل تحوَّلت إلى مرآة تعكس قضايا المجتمع وتفتح باب النقاش حول أكثر الملفات حساسية داخل الأسرة المصرية. حرصت المتحدة للخدمات الإعلامية على تقديم أعمال درامية تقترب من الواقع الاجتماعي وتناقش التحديات التي تواجه العلاقات الأسرية، وعلى رأسها قضية الانفصال بين الزوجين وما يترتب عليها من آثار نفسية وإنسانية تمس الأبناء قبل الكبار.

وخلال موسم دراما رمضان، برزت مجموعة من الأعمال التي لم تكتفِ بعرض الصراع بين الزوجين بعد الطلاق، بل سعت إلى تشريح العلاقات داخل الأسرة المصرية وكشف ما يدور خلف الأبواب المغلقة، في محاولة لفهم أسباب تفكك بعض العلاقات الزوجية، وتسليط الضوء على أهمية ترميم جدار الأسرة والحفاظ على تماسكها، خاصة عندما يكون الأبناء هم الحلقة الأضعف في هذا الصراع.

تلعب المتحدة للخدمات الإعلامية دورًا بارزًا في توظيف الدراما التلفزيونية لطرح قضايا اجتماعية تمس الواقع المصري، حيث لم تعد الأعمال الدرامية مجرد وسيلة للترفيه، بل تحوَّلت إلى مساحة للنقاش المجتمعي ومحاولة فهم التحديات التي تواجه الأسرة المصرية. ومن بين أبرز هذه القضايا مسألة الانفصال بين الزوجين، وما يتركه من آثار نفسية وإنسانية عميقة على الأبناء، الأمر الذي دفع صُنَّاع الدراما إلى الاقتراب من هذه القضية بقدر كبير من الحساسية والوعي.

وخلال موسم دراما رمضان هذا العام، برزت مجموعة من الأعمال التي حاولت تشريح العلاقات داخل الأسرة المصرية، وكشف الجوانب المسكوت عنها في الخلافات الزوجية، مع تقديم رؤى مختلفة لكيفية ترميم العلاقات الأسرية أو على الأقل فهم تداعيات تفككها. فقد حرصت الدراما على تسليط الضوء على الطلاق ليس بوصفه نهاية لعلاقة زوجية فحسب، بل باعتباره نقطة تحوُّل تمس حياة الأسرة بأكملها.

ومن بين هذه الأعمال، جاء مسلسل "كان ياما كان" الذي عُرض في النصف الأول من شهر رمضان، ليقدم معالجة إنسانية لتأثير الانفصال بين الزوجين على الأطفال. فقد تناول العمل كيف يمكن أن يتحول الخلاف بين الأبوين إلى صراع مفتوح يترك آثارًا نفسية عميقة في الأبناء، ويؤثر في تشكيل شخصياتهم ومستقبلهم. وشارك في بطولة المسلسل عدد من النجوم، من بينهم ماجد الكدواني ويسرا اللوزي ونهى عابدين وعارفة عبد الرسول وحازم راغب، وهو من تأليف شيرين دياب وإخراج كريم العدل.

كما يطرح مسلسل أب ولكن زاوية أخرى من القضية، حيث يتناول معاناة الأب بعد الطلاق، في محاولة للحفاظ على علاقته بأبنائه رغم التعقيدات القانونية والإنسانية التي قد يواجهها بعض الآباء في رؤية أبنائهم بعد الانفصال. وتدور أحداث العمل حول شخصية أدهم، الأب الذي يسعى بكل الطرق لرؤية ابنته، في ظل تعنت طليقته التي تحاول الانتقام منه بعد خيانته لها، لتتحول الطفلة إلى وسيلة للصراع بين الطرفين، بينما يحاول الأب استعادة لحظات الأبوة التي حُرم منها.

العمل لا يكتفي بعرض الصراع العاطفي بين الزوجين السابقين، بل يفتح الباب أمام نقاش أوسع حول قوانين الأسرة في مصر، خاصة ما يتعلق بالحضانة والرؤية والنفقة والولاية التعليمية، وهي قضايا طالما أثارت جدلًا واسعًا داخل المجتمع. ويشارك في بطولة المسلسل كل من محمد فراج وهاجر أحمد وركين سعد وسلوى عثمان وبسمة داوود وهايدي عبد الخالق وحجاج عبد العظيم ومحمد أبو داوود، وهو من تأليف ياسمين أحمد كامل وماريان هاني، وإخراج ياسمين أحمد كامل.

هذا المسار لم يأتِ بين عشية وضحاها، ولكنَّه تراكم سنوات من العمل الجاد في تقديم قضايا الأسرة خلال الفترة الماضية، والتي كان من بينها مسلسل فاتن أمل حربي، وهو ما دفع جهات أخرى لأن تحذو النهج نفسه هذا العام بعدما أثبت نجاحه، مثل مسلسلي بابا وماما جيران، والمتر سمير الذي يناقش القضية بطابع كوميدي.

وتؤكد هذه الأعمال أن الدراما يمكن أن تلعب دورًا مهمًا في ترميم جدار الأسرة المصرية، ليس فقط من خلال طرح المشكلات، بل أيضًا عبر فتح مساحات للحوار المجتمعي حول أسباب تفكك العلاقات الزوجية وسبُل تجاوزها. فحين تقترب الدراما من الواقع الإنساني للأسرة، وتقدم نماذج متعددة للصراع والحلول، فإنها تسهم في رفع الوعي بقيمة التماسك الأسري وأهمية الحفاظ على استقرار الأبناء، حتى في ظل الخلافات أو الانفصال.

طارق الشناوي: الدراما التلفزيونية صُنعت لتشريح العلاقات الأسرية

يرى الناقد الفني طارق الشناوي أن الدراما التلفزيونية لا تقتصر على الترفيه أو تقديم الحكايات التقليدية، بل تحمل دورًا اجتماعيًا مهمًا يتمثل في كشف خبايا العلاقات داخل الأسرة وطرح القضايا المسكوت عنها، وهو ما يفسر إقبال الجمهور الكبير على الأعمال التي تقترب من الواقع الإنساني وتعكس أزماته.

وجاءت تصريحات الشناوي في حديث خاص لموقع "القاهرة الإخبارية"، تعليقًا على الأعمال الدرامية التي تتناول قضايا اجتماعية حساسة خلال موسم دراما رمضان، مثل تأثير الانفصال والطلاق على الأبناء، كما في مسلسلي أب ولكن وكان ياما كان.

الدراما ودورها الاجتماعي

أكد الشناوي أن الهامش أو الدور الاجتماعي للدراما التلفزيونية يمثل جوهر وجودها، موضحًا أن هذا الفن صُنع في الأساس من أجل أداء هذا الدور. وقال إن من أهم وظائف الدراما تشريح العلاقات داخل الأسرة، خاصة تلك الجوانب التي غالبًا ما يتم تجاهلها أو السكوت عنها في الحياة اليومية.

وأشار إلى أن هذه المعالجات الدرامية تختلف من عمل إلى آخر، لكنها في النهاية تمنح الجمهور فرصة للتأمل في علاقاته الخاصة، وتدفعه إلى التفاعل مع القضايا التي تطرحها الشاشة.

قضايا مسكوت عنها

وأوضح طارق الشناوي أن الأعمال التي تقترب من القضايا الإنسانية العميقة عادة ما تحقق نسب مشاهدة مرتفعة، لأنها تعكس واقعًا يعيشه كثيرون دون أن يجدوا مساحة للحديث عنه.

وضرب مثالًا بمسلسل كان ياما كان، الذي طرح قضية "الخرس الزوجي"، وهي الحالة التي قد يصل فيها الزوجان إلى مرحلة من فقدان التواصل العاطفي والإنساني، حيث تبقى المشاعر حبيسة داخل كل طرف دون أن تُقال أو تُفهم.

فقدان موجة التواصل

وأضاف الشناوي أن المشكلة في مثل هذه العلاقات لا تكمن فقط في المظهر الخارجي للأزمة، إذ يعتقد أحد الطرفين أن الآخر لم يعد متفاعلًا أو مهتمًا، بينما الحقيقة أعمق من ذلك، إذ قد يكون الطرفان قد فقدا موجة التواصل بينهما.

وأكد أن جمال المعالجة الدرامية لمثل هذه القضايا يتمثل في قدرتها على كشف الأخطاء المتبادلة داخل العلاقة، سواء كانت أخطاء الرجل أو المرأة، وهو ما يجعل المشاهد يرى نفسه أحيانًا في مرآة هذه الحكايات.

الدراما وفتح جراح الأسرة

واختتم الشناوي حديثه بالتأكيد على أن الدراما التلفزيونية تلعب دورًا أساسيًا في فتح جراح الأسرة المسكوت عنها، معتبرًا أن هذا الدور ليس طارئًا على الدراما، بل هو جزء أصيل من طبيعتها ووظيفتها.

وأشار إلى أن الأعمال التي تقترب بجرأة وصدق من هذه القضايا قادرة على إحداث تأثير حقيقي لدى الجمهور، لأنها لا تكتفي بسرد قصة، بل تفتح باب النقاش حول مشكلات يعيشها المجتمع يوميًا.

ماجدة موريس: الدراما تكشف جراح الانفصال الأسري

ترى الناقدة الفنية ماجدة موريس أن الدراما التلفزيونية تؤدي دورًا اجتماعيًا بالغ الأهمية في تشريح العلاقات داخل الأسرة، خاصة تلك المساحات الحساسة التي قد تتحول فيها الخلافات بين الزوجين إلى صراع يؤثر في الأبناء.

وتؤكد أن الأعمال الدرامية القادرة على تقديم هذه القضايا بصدق وعمق تسهم في توعية ملايين المشاهدين بطبيعة تلك العلاقات وتعقيداتها، وتفتح باب النقاش حول آثار الانفصال الأسري على الأطفال.

وفي هذا السياق، توقفت موريس خلال حديثها لموقع "القاهرة الإخبارية" عند عدد من الأعمال الدرامية التي عُرضت خلال موسم رمضان، والتي قدمت نماذج مختلفة من العلاقات الأسرية بعد الانفصال، مشيرة إلى أن هذه الأعمال نجحت في تقديم رسائل إنسانية مهمة حول العلاقة بين الأبناء ووالديهم.

"أب ولكن".. مأساة أب يبحث عن ابنته

تطرقت موريس إلى مسلسل أب ولكن، الذي يقدم قصة إنسانية مؤثرة لأب يواجه ظروفًا قاسية بعد خروجه من السجن. فبعد أن قضى ثلاث سنوات خلف القضبان، يخرج ليجد أن زوجته قد طلبت الطلاق بالفعل، ليصطدم بصدمة أكبر حين يكتشف أنه أصبح بعيدًا عن ابنته الصغيرة.

وأوضحت أن الشخصية التي يقدمها الفنان محمد فراج تعيش حالة نفسية شديدة التعقيد، إذ يشعر الأب بأنه حُرم من أهم لحظات حياته مع طفلته، ولم تتح له الفرصة للاستمتاع بطفولتها أو بناء علاقة طبيعية معها.

وتبدأ محاولاته لاستعادة تلك العلاقة عبر زيارات متكررة إلى مدرستها، بعدما أصبح هذا المكان هو الباب الوحيد المتاح أمامه لرؤيتها، في ظل رفض طليقته أن يلتقي بابنته في المنزل.

صراع العائلة وتأثيره على الطفلة

تشير موريس إلى أن العمل يطرح أيضًا نموذجًا للصراع العائلي الذي قد يتجاوز الزوجين ليشمل أطرافًا أخرى، مثل تدخل الجدة في تأجيج الخلافات، الأمر الذي ينعكس على علاقة الطفلة بوالدها.

وتوضح أن المسلسل يقدم رسالة واضحة مفادها أن الخلافات بين الزوجين لا ينبغي أن تتحول إلى كراهية تدفع أحد الطرفين إلى تشويه صورة الآخر أمام الأبناء، لأن العلاقة بين الأب وأبنائه علاقة إنسانية طبيعية لا يجب أن تتأثر بقرار الانفصال.

مشهد الجيتار.. لحظة إنسانية مؤثرة

من أكثر اللحظات تأثيرًا في العمل، بحسب ماجدة موريس، المشهد الذي يكتشف فيه الأب موعد عيد ميلاد ابنته، فيقرر الذهاب إلى محيط المدرسة حاملًا آلة الجيتار، ويجلس ليغني لها في محاولة بسيطة للتعبير عن حبه واشتياقه.

وتصف موريس هذا المشهد بأنه من أجمل لحظات المسلسل، حيث تخرج الطفلة وتستمع إلى الغناء دون أن تدرك في البداية أن هذا الرجل هو والدها، قبل أن يخبرها بالحقيقة، فتبدأ مشاعرها في التغير تدريجيًا وتكتشف أن الصورة التي رُسمت لها عنه داخل المنزل ليست كاملة.

وترى أن مثل هذه التفاصيل الإنسانية الصغيرة تمنح العمل صدقًا كبيرًا، كما تعكس معاناة آلاف الأسر التي تمر بظروف مشابهة في الواقع.

موهبة طفلة تُبهر المشاهدين

وتوقفت الناقدة عند أداء الطفلة الصغيرة المشاركة في العمل، مشيرة إلى أنها تمتلك موهبة لافتة رغم صغر سنها الذي لا يتجاوز أربع سنوات.

وأكدت أن تقديم طفلة بهذا العمر لدور محوري في العمل الدرامي يمثل تحديًا كبيرًا، إلا أن المخرج نجح في اكتشاف موهبتها وتوظيفها بشكل مميز، لتصبح واحدة من العناصر الأساسية التي منحت المسلسل تأثيره العاطفي القوي.

"كان يا ما كان".. الطلاق من منظور مختلف

كما أشادت ماجدة موريس بمسلسل كان يا ما كان، الذي يقدم بدوره معالجة مختلفة لقضية الانفصال الأسري، ولكن من زاوية فتاة مراهقة تبلغ من العمر ثلاثة عشر عامًا.

ويشارك في بطولة العمل كل من ماجد الكدواني ويسرا، فيما تؤدي دور الابنة الفنانة الشابة ريتال عبد العزيز.

وتوضح موريس أن المسلسل يبدأ بقرار مفاجئ من الأم بترك المنزل بعد خمسة عشر عامًا من الزواج، إذ تستيقظ في أحد الأيام لتقرر ببساطة أنها لم تعد قادرة على الاستمرار في حياتها الزوجية، فتغادر البيت بحثًا عن حياة مختلفة.

حياة تتغير في غياب الأم

بعد هذا القرار، يحاول الأب التواصل معها دون جدوى، بينما تبدأ كل شخصية في إعادة ترتيب حياتها من جديد. الأم تعود إلى منزل أسرتها، وتحاول بناء حياة مختلفة، بينما يزداد اهتمام الأب بابنته ويحاول الاقتراب منها أكثر من أي وقت مضى.

وتلفت موريس إلى أن المسلسل ينجح في تقديم الحياة من وجهة نظر الابنة، التي تجد نفسها فجأة وسط واقع جديد يتطلب منها التأقلم مع غياب الأم وتغير شكل الأسرة.

تضيف: "تظهر الفتاة وهي تمر بعدة مراحل نفسية، من الشعور بالارتباك والبحث عن الاهتمام، إلى محاولة بناء علاقات جديدة داخل المدرسة، قبل أن تدرك تدريجيًا قيمة العلاقة مع والدها".

رسالة اجتماعية

تؤكد موريس أن المسلسلين يقدمان رسالة مشتركة مهمة، مفادها أن الأبناء هم نتاج الحياة المشتركة بين الزوجين، وأن الخلافات أو قرارات الانفصال لا ينبغي أن تدفع أي طرف إلى إبعاد الأبناء عن الآخر أو تحويلهم إلى ضحايا للصراع.

كما ترى أن الأعمال الدرامية التي تتناول هذه القضايا بحساسية ووعي تسهم في فتح نقاش مجتمعي مهم حول تأثير النزاعات الأسرية، خاصة في ظل الأعداد الكبيرة من القضايا المطروحة داخل محاكم الأسرة.

وفي ختام حديثها، تؤكد موريس أن أحد أبرز ملامح هذه الأعمال هو الاعتماد على ممثلين أطفال يمتلكون موهبة حقيقية، مشيرة إلى أن هؤلاء الصغار يمثلون نجوم المستقبل في الدراما المصرية.

وتضيف أن نجاح هؤلاء الأطفال في التعبير عن مشاعر معقدة بهذا الصدق يفتح الباب أمام جيل جديد من المواهب، ويعكس قدرة الدراما على اكتشاف طاقات فنية مبكرة قادرة على التأثير في الجمهور.