هوية فنية خاصة، لا تعتمد على شكل أو قالب واحد، بل على صدق الأداء والقدرة على التحول، بهذه الخلطة المميزة تمكّن الفنان المصري الكبير ماجد الكدواني من أن يصنع لنفسه مساحته الخاصة والمميزة كفنان قادر على إجادة الكوميديا دون ابتذال، والتراجيدي دون نحيب، والإنساني دون ادّعاء، ليكتسب في كل مرة مساحة جماهيرية عريضة، ويبرز جانبًا من قماشته الواسعة وجعبته التي لا يزال بها الكثير.
ظلّ ظهور ماجد الكدواني في الدراما التلفزيونية محدودًا نسبيًا، مقارنة بالسينما التي برز فيها بشكل لافت، فيما اقتصر ظهوره في الأولى على أدوار ضيف الشرف أو المشاركات الخاصة، مثل ظهوره في السنوات الأخيرة في مسلسلي «الهرشة السابعة» و«الاختيار».
جاءت نقطة التحول الأبرز في مشواره الدرامي مع مسلسل «موضوع عائلي»، الذي جسّد خلاله شخصية الأب في إطار اجتماعي إنساني، واستطاع أن يحقق نجاحًا واسعًا عبر أجزائه، حيث لمس الجمهور صدق أدائه وقدرته على التعبير عن مشاعر الأبوة، والخوف، والاحتواء، والضعف، دون مبالغة.
السباق الرمضاني
يخوض ماجد الكدواني تجربة مختلفة ومفصلية في مشواره الفني من خلال مسلسل «كان ياما كان»، الذي يشارك به للمرة الأولى في السباق الرمضاني لعام 2026 ببطولة مطلقة، في خطوة تحمل دلالات واضحة على تحوّل مدروس في اختياراته، ورغبة في التواجد داخل الموسم الأهم جماهيريًا، ولكن عبر بوابة الدراما العائلية ذات الطابع الإنساني العميق.
الكدواني، الذي عُرف على مدار سنوات طويلة بانتقائه الهادئ للأدوار، لم يدخل سباق رمضان بحثًا عن الظهور أو كثافة الحضور، بقدر ما اختار نصًا ينتمي إلى المنطقة الأقرب له فنيًا في المرحلة الحالية، وهو جانب العلاقات الأسرية، والصراعات النفسية، وتأثير الأزمات على الكيان العائلي، وهي تيمة باتت واضحة في عدد من تجاربه الأخيرة.
في «كان ياما كان»، يجسّد ماجد الكدواني شخصية طبيب أطفال ناجح مهنيًا، يتمتع بسمعة طيبة في محيطه العملي، لكنه على الجانب الآخر يعيش انهيارًا تدريجيًا في حياته الخاصة، تتحول ملامحه إلى سلسلة من الصراعات القانونية والإنسانية، تصل إلى ساحات المحاكم، بينما تصبح ابنته هي الضحية الأساسية لهذه الخلافات، ما يضع الشخصية أمام معادلة قاسية بين كونه طبيبًا ينقذ أرواح الأطفال يوميًا، وأبًا يعجز عن إنقاذ ابنته من أوجاع الكبار.
هذا الخط الدرامي لا يبدو اختيارًا عابرًا في مسيرة الكدواني، بل امتدادًا طبيعيًا لمسار بدأ يتبلور بوضوح خلال السنوات الأخيرة، خصوصًا بعد النجاح اللافت لمسلسل «موضوع عائلي» بأجزائه الثلاثة، حيث قدّم واحدًا من أكثر نماذج الأب حضورًا وصدقًا في الدراما المعاصرة، نموذج الرجل الذي يحاول أن يكون سندًا لأبنائه، ويخطئ ويصيب، ويواجه الحياة بضعفه قبل قوته.
نجاح «موضوع عائلي» لم يكن قائمًا فقط على الشعبية، بل على قدرة الكدواني على الإمساك بتفاصيل الأبوة اليومية، ومشاعر الخوف، والاحتواء، والعجز، والندم، دون خطاب مباشر أو أداء صاخب، وهو ما جعل الشخصية قريبة من قطاع واسع من الجمهور، ومهَّد لتكريس صورته كممثل بارع في تقديم الدراما العائلية.
ويبدو أن «كان ياما كان» يذهب خطوة أبعد في هذا الاتجاه، إذ يعتمد على معالجة نفسية أعمق، تسلط الضوء على الكواليس الخفية للحياة الأسرية، وعلى الندوب التي تتركها الخلافات بين الزوجين في نفوس الأبناء، وكيف يمكن لانهيار العلاقات أن يتحول إلى مأساة صامتة داخل البيوت.
اختيار الكدواني لهذا العمل كأول بطولة رمضانية يعكس قناعة واضحة بأن الدراما العائلية ما زالت قادرة على المنافسة في موسم مزدحم بالأعمال ذات الإيقاع السريع، إذا قُدِّمَت بصدق وبناء درامي متماسك، بعيدًا عن الاستسهال أو الميلودراما المفتعلة.
كما يعكس الاختيار رغبة في تثبيت مسار فني يركز على القضايا القريبة من الناس، ويعيد الاعتبار لفكرة أن الدراما ليست مجرد ترفيه، بل مساحة لطرح أسئلة إنسانية حول الأسرة، والمسؤولية الأبوية، وحدود التضحية، وتأثير اختيارات الكبار على مصائر الصغار.