في الوقت الذي تتصاعد فيه وتيرة المواجهات العسكرية في الشرق الأوسط، تواجه القوى الغربية اختلالًا في التوازن الاقتصادي والعسكري خلال تصديها للهجمات الإيرانية، التي تعتمد على استراتيجية حرب الاستنزاف عبر إغراق الدفاعات الجوية بمسيّرات منخفضة التكلفة.
وكشف تقرير بالأرقام عن حجم الفجوة الاقتصادية في هذه المواجهة، حيث لا تتجاوز تكلفة تصنيع المسيّرة الإيرانية الواحدة نحو 35 ألف دولار، بينما تضطر المنظومات الدفاعية الغربية، وعلى رأسها صواريخ "باتريوت" أو منظومات الدفاع البحرية، لاستخدام صواريخ اعتراضية تصل تكلفة الواحد منها إلى 4 ملايين دولار.
نفاد المخزون
هذا التفاوت الرهيب، وفقًا لصحيفة "ديلي ميل" البريطانية، يعني أن طهران يمكنها مواصلة هجماتها "إلى ما لا نهاية" بتكلفة زهيدة، في حين تتكبد القوى الغربية خسائر مادية هائلة لإسقاط أهداف "بدائية" مقارنة بالتكنولوجيا الدفاعية المستخدمة.
وحذّر خبراء عسكريون من أن الإمدادات الغربية من الصواريخ الاعتراضية قد تنفد خلال أسابيع إذا استمرت طهران في إطلاق أسراب المسيّرات بالكثافة الحالية، مشيرين إلى أن المنشآت الصناعية العسكرية في الغرب لا يمكنها مجاراة سرعة التصنيع الإيرانية للمسيّرات الانتحارية.
ذلك الأمر يضع القواعد العسكرية الأمريكية والبريطانية في المنطقة أمام مأزق حقيقي، إما ترك المسيّرات تصيب أهدافها، أو استنزاف كامل المخزون الاستراتيجي من الصواريخ الدفاعية الثمينة في وقت قياسي.
سلاح "الاستنزاف"
وتعتمد طهران في تكتيكها الجديد على "الإغراق الكمي"، حيث تطلق عشرات المسيّرات في وقت واحد لإجبار الرادارات والمنظومات الدفاعية على العمل بأقصى طاقتها، ويرى محللون أن الهدف الإيراني ليس بالضرورة تدمير الأهداف العسكرية فحسب.
وتتجلى خطورة "حرب الاستنزاف" الإيرانية في القدرة على فتح أكثر من خمس جبهات متزامنة، مع الحفاظ على وتيرة إطلاق تصل إلى 2500 طائرة مسيّرة يوميًا، وهو الضغط الذي يجبر المخططين العسكريين على تشتيت دفاعاتهم فوق رقعة جغرافية تمتد لآلاف الكيلومترات، ما يصنع ثغرات أمنية في كل موقع.
أسطول "شاهد"
وبحسب بيانات استخباراتية مفتوحة المصدر، يمتلك أسطول "شاهد" الإيراني ما بين 80 إلى 100 ألف طائرة، مع معدل إنتاج شهري يبلغ 500 طائرة، وهو ما يمنح طهران القدرة على شن هجمات متواصلة لمدة شهر كامل بكثافة غير مسبوقة.
وتكشف لغة الأرقام عن حجم المأزق الأمريكي، فخلال مواجهات يونيو 2025، أطلقت الولايات المتحدة وحدها نحو 150 صاروخًا اعتراضيًا من طراز "ثاد" للدفاع عن إسرائيل خلال 12 يومًا فقط، وهو ما يمثّل ربع مخزونها الاستراتيجي بالكامل.
دورة معقدة
وبينما لا تتجاوز تكلفة المسيرة الإيرانية آلاف الدولارات، يصل سعر صاروخ "ثاد" الواحد إلى 15 مليون دولار، والأخطر من ذلك أن عملية تجديد هذا المخزون ليست مجرد مسألة مالية، بل تتطلب دورة إنتاج معقدة تمتد من ثلاث إلى ثماني سنوات، ما يضع الترسانة الدفاعية الغربية أمام خطر "الإفلاس العسكري" الوشيك إذا استمرت المواجهة بهذه الوتيرة.
وتسعى إيران من خلال ذلك، إلى إفلاس أعدائها عسكريًا وماليًا، فاستنزاف الصواريخ التي تبلغ قيمتها ملايين الدولارات في مواجهة طائرات بلا طيار مصنوعة من مواد بسيطة، يمثل انتصاراً استراتيجياً لطهران في حرب لا تعتمد على قوة الانفجار بقدر ما تعتمد على طول النفس الاقتصادي.