لا يزال رجل الأعمال الأمريكي المنتحر جيفري إبستين المدان بجرائم أخلاقية، يثير الجدل والأزمات في جميع المجالات، فقد كشفت أحدث مجموعة نشرتها وزارة العدل الأمريكية من وثائق علاقاته بالمجتمع العلمي والباحثين، التي اتضح أنها أعمق مما كان معروفًا سابقًا.
ولا تشير الوثائق إلى ارتكاب هؤلاء الباحثين أي مخالفات أو تورطهم في أنشطة إبستين الإجرامية، لكنها تُلقي الضوء على مدى انخراطه العميق في بعض الأبحاث العلمية التي موّلها.
تمويل مشبوه
وفقًا لمجلة "نيتشر" البريطانية، استثمر إبستين ملايين الدولارات في مشاريع علمية، وكان على صلة وثيقة بالباحثين. وعلى الرغم من الكشف عن إدانة إبستين الأولية بارتكاب جرائم أخلاقية كان عام 2008، فإن بعض العلماء استمر في التواصل معه وتلقي أموال منه.
تضمنت الوثائق مراسلات من الفيزيائي لورانس كراوس، الذي تلقت منظمته المعنية بالتوعية العلمية 250 ألف دولار من إبستين.
وكتب إبستين في عام 2018، ردًا على استفسارات إعلامية حول تحقيق في سوء سلوك غير أخلاقي أدى إلى طرد كراوس من جامعة ولاية أريزونا في تيمبي: "ظننت أننا اتفقنا على عدم التعليق!".
وأوضح "كراوس" طبيعة علاقته بإبستين في رسالة بريد إلكتروني إلى مجلة "نيتشر": قائلا: "استشرتُ كل من أعرفهم تقريبًا عندما انتشرت ادعاءات كاذبة ضدي"، مضيفًا أنه لم يكن على علم بالجرائم المروعة" التي اتُهم بها إبستين لاحقًا.
مكتب جيفري
كان عالم الأحياء الرياضية مارتن نواك من أقرب العلاقات الأكاديمية لإبستين. في كتابه "المتعاونون الخارقون" الصادر عام 2011، يصف نواك كيف تلقى اتصالاً هاتفياً مفاجئاً من إبستين أثناء عمله باحثاً في معهد الدراسات المتقدمة في برينستون، نيوجيرسي، ودعاه إلى جزيرة إبستين. وكتب نواك: "في اليوم الأخير من زيارتي، قال جيفري إنه سيبني لي معهداً".
انتقل نواك إلى جامعة هارفارد عام 2003، وبتمويلٍ قدره 6.5 مليون دولار من إبستين، أسس برنامج ديناميكيات التطور (PED)، وهو مركزٌ يُعنى بنمذجة التطور باستخدام الرياضيات.
لم يكن إبستين مجرد متبرع، بل كان منخرطًا بشكلٍ كبير، فقد كان المكتب رقم 610 في مبنى برنامج ديناميكيات التطور يُعرف باسم "مكتب جيفري".
كان إبستين يزور المركز عدة مرات سنويًا، ويُرتّب اجتماعاتٍ مع نواك وأكاديميين آخرين في المنطقة. وفي عام 2021، وبعد تدقيقٍ مُتجدد، أغلقت هارفارد برنامج ديناميكيات التطور وفرضت عقوباتٍ على نواك، رُفعت في عام 2023.
منح دراسية
في عام 2008، أصبحت كورينا تارنيتا، عالمة الرياضيات الرومانية، طالبة دكتوراه لدى نواك. وتُظهر رسائل البريد الإلكتروني أنها كانت على اتصالٍ بإبستين في وقتٍ مُبكر من ديسمبر 2008، أي بعد ستة أشهر من إدانته.
وتُظهر هذه الوثائق أيضًا أنه في أبريل 2009، قدمت تارنيتا تفاصيل حوالات مالية لامرأتين رومانياتين، أرسلت إحداهما 10 آلاف دولار، والأخرى 5 آلاف.
أثارت هذه المعاملة المالية، التي نشرتها أولًا صحيفة "سيمينال" الرومانية، تكهنات واسعة على الإنترنت نظرًا لتشابهها الظاهر مع حوالات إبستين المزعومة لتمويل أفعال غير أخلاقية في أوروبا الشرقية.
مع ذلك، قالت تارنيتا، إن "هذه المدفوعات كانت عبارة عن منح دراسية لرياضيات شابات في رومانيا"، مضيفة أن "إبستين استلهم من مسيرتها المهنية لدعم النساء الأخريات في بداية مسيرتهن المهنية في مجال الرياضيات".
استياء أكاديمي
صرّح علماء آخرون تحدثت إليهم المجلة البريطانية، ولم يكونوا على صلة بإبستين، إن "التفاصيل التي كُشفت حديثًا تُثير تساؤلات حول التمويل الخاص للأوساط الأكاديمية"، مشيرين إلى ضرورة إجراء نقاش جاد في الأوساط الأكاديمية حول بشأن الممولين".
تبرع إبستين بمبلغ 800 ألف دولار أمريكي لمعهد "ماساتشوستس" للتكنولوجيا في كامبريدج، ما دفع اثنين من العلماء إلى الاستقالة، وتعليق الجامعة عمل عالم آخر.