بعد أن اتخذت وزارة العدل الأمريكية (DOJ) قرارًا بالإفراج عنها تباعًا، بلغ إجمالي ملفات إبستين الآن أكثر من ستة ملايين وثيقة وصورة وفيديو. وبينما برأت ساحة الرئيس دونالد ترامب إلى حد كبير، لكن -ربما عن طريق المصادفة، وربما لا- فقد اجتاحت هذه الظاهرة نخبة المال والسلطة العالمية بقوة الزلزال.
ورغم أنه تم حجب الكثير من المعلومات، حيث ظهرت أشرطة سوداء تخفي أسماء المتآمرين المحتملين في عمليات الاتجار بالجنس التي كان يقودها إبستين، الذي انتحر في السجن عام 2019، لكن من خلال الملفات يمكننا أن نرى بوضوح كيف بنى مدرس الرياضيات المولود في كوني آيلاند شبكتين منفصلتين، وإن كانتا متداخلتين ظاهريًا. إحداهما للفتيات الصغيرات، والأخرى لأغنى وألمع وأقوى رجال العالم.
كان رجل الأعمال المدان الراحل يستخدم عارضات أزياء مراهقات لتجنيد صديقاتهن، وهي قاعدة طالما عمل بها: استغلال أحد المعارف باستمرار للحصول على جائزة أخرى أكبر.
ووفقًا لتقرير نشرته مجلة "فانيتي فير" قال إبستين لإحدى صديقاته السابقات: "أنا أجمع الناس، وأملكهم، وأستطيع إيذاءهم".
ووصفته أخرى بأنه "مختل عقليًا" قادر على "الشعور بالطاقة بوضوح شديد" و"التلاعب بها لتحقيق مآربه الشخصية".
قوية وناعمة
في وقت ما من عام 2014، أقام إبستين حفلًا في منزله الفخم في مانهاتن الذي تبلغ مساحته 50 ألف قدم مربع، الذي يُقال إنه الأكبر في المدينة.
في ذلك الوقت، كان المضيف مدانًا بجريمة جنسية، وأُطلق سراحه في 22 يوليو 2009، بعد أن حُكم عليه بالسجن لمدة 13 شهرًا بتهمة استدراج قاصر، عندما أرسل بريدًا إلكترونيًا إلى السفير البريطاني السابق في واشنطن، اللورد ماندلسون، قال فيه إن الحرية "تبدو جديدة وقوية وناعمة".
سرعان ما أصبح قصر نيويورك المبني من الحجر الجيري، مرة أخرى، مسرحًا للقاءات فكرية ثنائية ومحادثات محيرة على مائدة الغداء. وكان من بين الضيوف الذين تجرأوا على مواجهة عدسات المصورين سيرجي برين، وبيل جيتس، وبيتر ثيل، والمستثمرين الأوائل في العملات المشفرة. كما كان ضمن الضيوف رئيس الوزراء النرويجي السابق ثوربيورن ياجلاند.
تلقي لحظة مثل هذه الضوء على من في تلك الحفلات، حيث كانت المحادثات تتنوع بين مواضيع شتى، من المريخ إلى الصواريخ، ومن تقنية "البلوك تشين" إلى الانفجار العظيم.
وحسب ما نشرته صحيفة "ذا تليجراف" البريطانية، كانت تحيط بالضيوف تلميحات إلى ميول إبستين. منها نسخ من رواية "لوليتا" للكاتب الأمريكي من أصل روسي فلاديمير نابوكوف موضوعة على طاولة منزله في مانهاتن.
أيضا، في قصره الباريسي، كان هناك فيل محنط في الغرفة. وحسب التقرير، كانت هناك دائمًا مجموعة من "الشابات الجميلات" اللواتي كن يرافقن إبستين في نزهاته النادرة في الحديقة "كما لو كان الأمر أشبه بشيء من بلاط فرنسي من القرن الثامن عشر".
حياة البذخ
تطرح الصحيفة البريطانية تساؤلًا حول "كيف استطاع إبستين أن يعيش حياةً باذخةً كهذه؟"، مشيرة إلى أن الأمر "يبقى غامضًا".
وسط مزاعم أنه كان عبقريًا ماليًا، كثيرًا ما كان إبستين يقول إنه عندما تطورت الأعمال المصرفية في ثمانينيات القرن الماضي لتعتمد على معادلات معقدة، لجأ إليه الأثرياء جداً لإدارة شؤونهم. لكن وفقًا لتحقيق أجرته صحيفة "نيويورك تايمز" الأمريكية، كان إبستين أيضًا "محتالًا ولصًا متمرسًا استغل جاذبيته الطبيعية لجذب العملاء الأثرياء وواعد بناتهم بينما كان يستنزف أموالهم".
في عام 1981، وفي سن الثامنة والعشرين، استقال إبستين من شركة "بير ستيرنز" بدلاً من الخضوع لعقوبة الإيقاف عن العمل بسبب التداول بناءً على معلومات داخلية. وقد تراكمت عليه نفقات باهظة أثناء عمله لدى دوجلاس ليس، قطب الدفاع البريطاني، الذي طرده من قصره الريفي في ظروف مُخزية.
ورغم أن العديد من صغار المستثمرين اكتشفوا أن أموالهم قد اختفت. لكنه أبقى على كبار المستثمرين في شباكه لأطول فترة ممكنة.
كما تشير التقديرات إلى أن ليزلي ويكسنر وليون بلاك، المؤسسين المليارديرين لشركة "فيكتوريا سيكريت" وصندوق الأسهم الخاصة "أبولو جلوبال مانجمنت"، قد دفعا -أو خسرا بسبب السرقة- مئات الملايين من الدولارات.
وفي مراسلات إبستين، لم يكن سوى القليل نسبيًا من النقاش حول الأسواق المالية، وبدلاً من ذلك، هناك جهود لا تنتهي لترتيب مذكراته. واحدة للمشاهير، والأخرى للنساء اللواتي تتراوح أعمارهن بين 15 و17 عامًا.