الموقع الرسمي | القاهرة الاخبارية
‌

ريدفورد وصندانس.. قصة عشق شكلت ملامح السينما المستقلة في العالم

  • مشاركة :
post-title
روبرت ريدفورد في مهرجان صندانس السينمائي في 21 يناير 1994

القاهرة الإخبارية - إنجي سمير

تبدأ غدا فعاليات النسخة 42 من مهرجان صندانس السينمائي، ولا يزال المخرج دارين أرونوفسكي يستحضر بإعجاب براعة النجم والمخرج الأمريكي الراحل روبرت ريدفورد مؤسس المهرجان في التواصل الإنساني وقدرته الاستثنائية على التفاعل مع الحضور خلال مهرجان صندانس السينمائي، ذلك الحضور الذي ترك أثرا عميقا في نفوس صنّاع السينما المستقلة.

عندما عرض فيلم أرونوفسكي الأول Pi ضمن إحدى ورش العمل، كان يجلس في الصف الأمامي، وبذلك يستعيد تلك اللحظة قائلًا :"إن ريدفورد كان ينتقل من شخص إلى آخر، ينادي كل واحد باسمه، ويمنحه إحساسًا نادرًا بالاهتمام الكامل، فعندما يحين دورك، ولو لبضع دقائق، تشعر وكأنك الشخص الوحيد في المكان، كان منصتًا تمامًا، حاضر الذهن، لا يلتفت بعيدا أبدا، رغم قصر الوقت وانشغاله بإدارة كل شيء، أذهلني بذكائه وتركيزه وحضوره الإنساني".

ويستحضر كثيرون هذا الشهر حضور "ريدفورد" الطاغي في مهرجان صندانس، الذي يقام للمرة الأخيرة في بارك سيتي قبل انتقاله إلى مقره الجديد في بولدر بولاية كولورادو ويأتي هذا الحدث بوصفه أول دورة للمهرجان من دون مؤسسه ورمزه الأبرز، الذي توفي عن عمر ناهز 89 عامًا في 16 سبتمبر 2025 ورغم أن ظروفه الصحية حالت دون مشاركته الفعلية في السنوات الأخيرة، فإن روحه لا تزال حاضرة بقوة في أهم تجمع للسينما المستقلة في الولايات المتحدة.

هؤلاء المخرجون الذين تغيرت مسارات حياتهم المهنية بعد عرض أفلامهم الأولى في بارك سيتي، ما زالوا يتشبثون بذكرياتهم الشخصية مع "ريدفورد"، حتى وإن كانت لقاءاتهم به عابرة أو عن بعد، فاللقاء به، في نظرهم، كان حدثًا مؤثرًا بحد ذاته.

يستعيد الكاتب والمخرج كينيث لونيرجان ذكرى تعود إلى عام 2000، حين شارك بفيلمه You Can Count on Me في المهرجان، يقول: "كنت أسير مع ماثيو برودريك في شارع مين ستريت، وفجأة ظهر حشد كبير يتحرك في اتجاه واحد، جميعهم مصطفون خلف روبرت ريدفورد، حيث ذكرني المشهد برؤية بيل كلينتون في قرية جرينتش، محاطًا بجمهور هائل بعد أن أصبح رئيسًا، فكان مشهدًا غريبًا، وأجسادًا تتحرك شمالًا في الشارع، وهو شامخ، هكذا كان الإحساس برؤية الملك في شارع مين ستريت".

ريتشارد لينكليتر

أما ريتشارد لينكليتر، أحد أبرز رموز مهرجان صندانس، فقد عرف جانبًا شخصيًا من شخصية "ريدفورد" قبل وقت طويل من ارتباط اسمه بالمهرجان، وذلك من خلال عميه التوأم، توم وجيم، اللذين تقاسما السكن مع "ريدفورد" في لوس أنجلوس خلال خمسينيات القرن الماضي، قبل أن يصبح أسطورة في هوليوود.

يروي لينكليتر: "كنا نشاهد فيلم Butch Cassidy and the Sundance Kid وكان والدي يقول: هل ترون ذلك الرجل؟ لقد عاش توم وجيم معه في شقة واحدة في لوس أنجلوس، كبرت وأنا أسمع قصصًا عنه: كيف كانوا يلعبون كرة القدم قرب محطة القطار، أو يذهبون معًا إلى حفلات موسيقى الجاز، كانوا جميعا معجبين بالمرأة نفسها، لولا، لكنها بالطبع وقعت في حب ريدفورد"، وعندما التقى لينكليتر بـ "ريدفورد" في صندانس لاحقًا، أخبره بتلك القصة العائلية، فتعرف "ريدفورد" على التفاصيل فورًا وسأل عن عميه باهتمام صادق، في لحظة تركت أثرًا عاطفيًا عميقًا لدى المخرج.

كريج بروير، الذي حقّق انطلاقة قوية بفيلمه Hustle & Flow في صندانس، يتذكر بدوره لقاء لا ينسى مع "ريدفورد"، حين استوقفه الأخير خلال إفطار لصناع الأفلام ليسأله: "هل التقيت توماس فينتربيرج؟"، أتاح له ذلك اللقاء التعبير عن الأثر العميق لفيلم The Celebrationفي مسيرته، معتبرا إياه العمل الذي منحه الشجاعة المعنوية لصناعة فيلمه الأول The Poor & Hungry، يقول "بروير" إن ذلك الفيلم شكّل نقطة التحول الأساسية في حياته المهنية، وجعله يدرك أن صناعة الأفلام ليست حكرًا على نخبة، بل تتطلب شغفًا وحماسًا صادقين.

ذلك النوع من الدعم والتشجيع العملي هو ما حرص "ريدفورد" على غرسه من خلال المعهد وورش العمل التابعة لصندانس، وتؤكد المخرجة الوثائقية لورين جرينفيلد، التي عرض لها فيلمَا ThinوThe Queen of Versailles في المهرجان، أن ريدفورد كان شخصية محورية في تاريخ السينما المستقلة، إذ تقول: "كان حريصًا على دعم صناع الأفلام بشكل عملي، سواء بدعوتهم إلى الإفطار في منزله أو بمشاركتهم جلسات قصيرة لكنها مؤثرة، فوجوده كان بمثابة مرجعية ثابتة، وإذا كنت في المعهد، كنت تشعر فعلًا أنهم يهتمون بك وبفيلمك".

إدوارد بيرنز

المخرج جون سايلس، أحد رواد السينما المستقلة وصندانس، يشير بدوره إلى أن دعم ريدفورد تجاوز أحيانًا حدود المنصات الرسمية. يقول: "لم ألتق به سوى مرة واحدة بشكل عابر قبل عرض تقديمي، وأخبرته بإعجابي بفيلمه Quiz Show لاحقا، دعم مشروع تحويل سيناريو فيلمي To Save the Manإلى عمل سينمائي، ورغم أننا لم ننجح في جمع التمويل، فإنني حولته لاحقًا إلى رواية تحمل الاسم نفسه".

ويؤكد "لينكليتر" أن شغف ريدفورد لم يكن محدودًا، بل شمل جميع الفنانين، لم يكن هناك أحد مثله، كان عاشقًا حقيقيًا لرواية القصص، وللممثلين والكتاب والمخرجين، استغل مكانته لتسليط الضوء على السينما المستقلة وتوسيع دائرتها، ففي الماضي كان ينتج عشرات الأفلام سنويا، أما اليوم فينتج الآلاف، لقد فتح المجال وأطلق شرارة الاكتشاف، مثل مستكشف عظيم وجد أرضًا جديدة وكرس حياته لها".

أما القصة الأكثر دلالة على تأثير ريدفورد، فيرويها إدوارد بيرنز، الكاتب والممثل والمخرج، الذي أمضى عامًا كاملًا يحاول تسويق فيلمه الأول The Brothers McMullen دون جدوى، لم يجد أي استجابة من شركات التوزيع أو المهرجانات أو الوكلاء، إلى أن وجد نفسه في مؤتمر صحفي واحد مع ريدفورد، الذي كان يروّج آنذاك لفيلم Quiz Showبينما كان "بيرنز" يعمل مساعد إنتاج في برنامج Entertainment Tonight.

يقول بيرنز: "كنا في فندق، وعندما خرج ريدفورد ووكيله من أحد أبواب الجناح، تسللت من الباب الآخر وانتظرته عند المصعد، شرحت له الفيلم بسرعة وسلمته نسخة أولية على شريط فيديو، قال لي: حسنًا، سنلقي نظرة"، بعد شهرين أو ثلاثة، تلقى بيرنز اتصالًا يؤكد قبول الفيلم في صندانس.

تحول ذلك القبول إلى إنجاز تاريخي، إذ عرض الفيلم لأول مرة في بارك سيتي، وبيع لاحقًا لشركة فوكس سيرشلايت، وفاز بجائزة في حفل الختام، الذي صادف التاسع والعشرين من يناير، وهو يوم عيد ميلاد بيرنز السابع والعشرين، ليقول: "سافر والداي خصيصا لحضور الحفل، اصطحبت والدتي، وكانت من أشد المعجبات بروبرت ريدفورد، وقلت لها: أمي، أريدك أن تتعرفي على شخص ما، وعرفتها عليه، فلا توجد هدية أعظم من عشر دقائق مع بوب ريدفورد تقدمها لوالدتك".

هكذا، يبقى روبرت ريدفورد حاضرًا في ذاكرة مهرجان صندانس، ليس فقط بوصفه مؤسسًا له أو نجمًا، بل باعتباره روحًا إنسانية آمنت بالسينما المستقلة، وغيّرت مصائر أجيال كاملة من صناع الأفلام.