رفعت العلم الروسي، وتجسست عليها المملكة المتحدة، واستولت عليها الولايات المتحدة.. هكذا أصبحت ناقلة نفط خام ضخمة ومتهالكة، متجهة شمالًا عبر المحيط الأطلسي، محور اهتمام عالمي بعد أن جرى تتبعها لأيام.
وتقول صحيفة "الجارديان" البريطانية، إنه على الرغم من أن الناقلة "مارينيرا" لا تحمل أي نفط، فإن السفينة التي يبلغ طولها 300 متر تبدو ذات قيمة واضحة. وتتراوح التفسيرات لذلك بين تكهنات بوجود أسلحة روسية عالية القيمة مخبأة في هيكلها، وبين احتمال أن تتحول السفينة إلى رمز أو غنيمة في صراع نفوذ عابر للأطلسي بين واشنطن وموسكو.
وتحمل السفينة حاليًا اسم "مارينيرا"، وهي من السفن التي تُغيّر أسماءها باستمرار، وتندرج ضمن ما يعرف بأساطيل الظل أو "الأساطيل الشبحية" التي تستخدمها روسيا وإيران وفنزويلا للالتفاف على العقوبات الغربية.
وعلى مدى سنوات، نقلت هذه السفن شحنات ووقودًا رخيصًا حول العالم، بما في ذلك إلى الصين.
لطالما سعت واشنطن وحلفاؤها الأوروبيون إلى تضييق الخناق على التجارة البحرية غير المشروعة. وبلغت تلك الجهود نقطة حرجة الشهر الماضي، عندما فرض دونالد ترامب حصارًا بحريًا على ناقلات النفط التي تتحايل على العقوبات قرب فنزويلا، التي تضم أكبر احتياطات نفطية في العالم وتشكل وجهة رئيسية لسفن أساطيل الظل.
وتعد "مارينيرا" الأكثر شهرة بين نحو 12 ناقلة نفط حاولت الإفلات من الحصار. فقد نجت من الاحتجاز في البحر الكاريبي في ديسمبر 2025، وغيّرت اسمها من "بيلا 1"، وعدلت مسارها نحو شمال روسيا، قبل أن يتم الصعود على متنها اليوم الأربعاء أثناء إبحارها في مياه الأطلسي المتجمدة.
كانت وزارة الخزانة الأمريكية فرضت عقوبات على "مارينيرا" منذ يونيو 2024، على خلفية اتهامات بنقل شحنات غير مشروعة لصالح حزب الله اللبناني.
وحاول خفر السواحل الأمريكي الصعود إلى السفينة في البحر الكاريبي في ديسمبر الماضي، أثناء توجهها إلى فنزويلا، لكن طاقمها رفض ذلك.
وتمتلك الولايات المتحدة سجلًا طويلًا لصعود سفن من أساطيل الظل؛ ففي الشهر الماضي، أنزلت القوات الخاصة الأمريكية عناصرها بالحبال من مروحيات للصعود إلى ناقلة "سكيبر" قبالة سواحل فنزويلا، وهي سفينة فرضت عليها وزارة الخزانة الأمريكية عقوبات منذ عام 2022.
وشوهد اليوم، عناصر من خفر السواحل الأمريكي وهم يصعدون إلى ناقلة في المياه الدولية قرب البحر الكاريبي. غير أن تكرار الأمر مع "مارينيرا" يختلف كثيرًا وينطوي على مخاطر أعلى. ففي حين كانت "سكيبر" تبحر تحت علم جيانا، فإن "مارينيرا" مسجلة وترفع العلم الروسي. ما دفع موسكو احتجاجًا دبلوماسيًا رسميًا طالبت فيه واشنطن بوقف ملاحقتها للسفينة في أعالي البحار.
وليست هذه الناقلة الوحيدة التي أعيد تسجيلها تحت العلم الروسي أخيرًا أثناء عملها في المياه الفنزويلية. فمن خلال وضع علمها على بعض ناقلات أساطيل الظل السابقة، تكون موسكو أخرجت فعليًا سفن أساطيل الظل إلى العلن، في تحدٍ مباشر للغرب.
وقال كريج كينيدي، الباحث المشارك في مركز ديفيس للدراسات الروسية والأوراسية بجامعة هارفارد، إن قرار موسكو تسجيل السفينة قد يكون محاولة لاكتساب نفوذ عبر الالتفاف على الحصار النفطي الأمريكي المفروض على فنزويلا.
وأضاف كينيدي: "مصادرة سفينة ترفع العلم الروسي في أعالي البحار تعني تجاهل ادعاءات روسيا بالولاية القضائية الحصرية عليها"، مشيرًا إلى أن موسكو ربما افترضت أن الولايات المتحدة لن تقدم على الصعود إلى سفينة ترفع العلم الروسي. لكنه قال إن الكرملين أساء تقدير مدى استعداد ترامب للذهاب بعيدًا.
وتشير نظريات أخرى إلى احتمال وجود شيء ذي قيمة لموسكو داخل السفينة. فرغم خلوها من النفط، يُشتبه في أن المسار الذي سلكته سابقًا بين إيران وفنزويلا كان طريقًا للتجارة غير المشروعة، بما في ذلك الأسلحة.
وفي تصعيد إضافي، أرسلت روسيا هذا الأسبوع قطعًا بحرية، بينها غواصة، لمرافقة الناقلة، وفقًا لصحيفة "وول ستريت جورنال".
وجاء ذلك قبل ساعات من صعود القوات الأمريكية إلى السفينة، حين أعلنت واشنطن أنها استولت عليها بسبب انتهاكات للعقوبات الأمريكية.
وقال الجيش البريطاني إنه قدّم "دعمًا عملياتيًا مخططًا له مسبقًا، بما في ذلك توفير قواعد". وفي الأيام الأخيرة، أظهرت بيانات التتبع ومراقبو الحركة الجوية تدفقًا مفاجئًا للقوات العسكرية الأمريكية، بما في ذلك طائرات C-17 جلوب ماستر III القادرة على نقل مروحيات، ما أثار تكهنات حول عملية خاصة وشيكة ضد "مارينيرا".
وقبل صعود القوات الأمريكية إلى السفينة، قال جون فورمان، الملحق الدفاعي البريطاني السابق في موسكو، إن حجم المراقبة الأمريكية للناقلة والاستعدادات الواضحة لمصادرتها عبر نقل طائرات إلى المملكة المتحدة كان لافتًا للنظر.
وأضاف فورمان، الذي يعمل الآن محللًا دفاعيًا: "لماذا تنشر الولايات المتحدة كل هذه الأصول في المملكة المتحدة من أجل ناقلة نفط واحدة؟".
وتساءل: "هل يمكن أن تكون أسلحة روسية في طريقها إلى فنزويلا؟".