بعد اتفاق وقف إطلاق النار في غزة، تعود قضية الجنود الإسرائيليين، الذين لم يتمكنوا من الاستمرار في القتال وقرروا التخلص من حياتهم منتحرين، من جديد إلى واجهة النقاش بإسرائيل، وسط تصاعد الحديث عن الأزمات النفسية، التي خلفتها الحرب على غزة.
تصنيف جديد للمنتحرين
وأعلن جيش الاحتلال الإسرائيلي ووزارة الدفاع، وفق صحيفة "يديعوت أحرنوت" العبرية، منحهما وضعًا خاصًا للجنود، الذين خدموا في الحرب على غزة وأقدموا على الانتحار بعد تسريحهم.
وبموجب القرار، سيعترف جيش الاحتلال بالجنود الذين خدموا في الحرب وانتحروا خلال عامين من انتهائها على أنهم توفوا بعد انتهاء خدمتهم، ما يخول عائلاتهم الحصول على راتب شهري من وزارة الدفاع.
وأكد جيش الاحتلال، أن نهج الاعتراف سيكون شاملًا وإنسانيًا، مع الإشارة إلى أن المسؤولين قد ينظرون لاحقًا في تمديد فترة العامين المعتمدة حاليًا.
ولفت جيش الاحتلال الإسرائيلي في بيانه، إلى أن هذا الوضع القانوني قائم بالفعل، وأن القرار يعكس سعيًا للحفاظ على التسمية الرسمية للجنود المتوفين، مع الاستمرار في تقديم المساعدة لأسر المنتحرين بعد انتهاء خدمتهم العسكرية.
دفن بمقابر مدنية
يأتي القرار في أعقاب عمل لجنة خاصة بحثت كيفية تعامل الجيش والدولة مع عائلات أفراد الخدمة النظامية والاحتياطية، الذين انتحروا بعد انتهاء خدمتهم، في ظروف قد تكون مرتبطة بواجبهم العسكري.
وأوصت اللجنة الإسرائيلية بدفن هؤلاء الأفراد المنتحرين في مقابر مدنية مع شواهد قبور مدنية، على أن تكون الجنازات بمرافقة عسكرية تشمل تأبينًا من القائد، وحضور جنود، ودعمًا أوليًّا للعائلة.
ووفق جيش الاحتلال، سيتحقق مسؤولو شؤون الأفراد، خلال ساعات من الوفاة من أن الفرد خدم في الجيش، خلال العامين السابقين، سواء كجندي مقاتل أو غير مقاتل.
فحص حالات المنتحرين
وستدرس لجنة "الاعتراف" التابعة لوزارة الدفاع الإسرائيلية، بالتعاون مع جيش الاحتلال، ملابسات حوادث الانتحار لتحديد ما إذا كانت هناك صلة بين الأسباب الظاهرة للانتحار والخدمة العسكرية خلال الحرب.
وحال ثبوت الصلة، لن يعترف بالفرد كمحارب قديم مُعاق توفي نتيجة إصابات متعلقة بالخدمة، وسيصنف على أنه توفي بعد انتهاء خدمته، ما يخول عائلته الحصول على إعانة شهرية ودعم طويل الأمد من وزارة الدفاع.
وتشمل العوامل، التي تؤخذ في الاعتبار مدة الخدمة وطبيعتها، والتعرض لأحداث غير عادية أو صادمة، والفترة الزمنية بين التسريح والوفاة، إضافة إلى ظروف شخصية أخرى.
موافقات رسمية
ضمت "لجنة الاعتراف" متخصصين في الصحة النفسية، ومستشارين قانونيين، ومسؤولين كبارًا من إدارة شؤون الأسر والذكرى وفي وزارة الدفاع، وركزت توصياتها على السياسات النظامية لا على الحالات الفردية، وحظيت بموافقة وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس، ورئيس أركان الجيش الإسرائيلي إيال زامير.
وبحسب جيش الاحتلال، انتحر حتى الآن 15 جنديًا سابقًا شاركوا في الحرب، مع تحذير المسؤولين من أن العدد قد يرتفع، وسيتم نقش أسماء مَن تم تكريمهم بموجب الوضع الجديد في قاعة الذكرى بجبل هرتزل في القدس المحتلة، لكن من دون إدراجها على النصب التذكارية للوحدات أو في الاحتفالات الرسمية للوحدات، على الأقل في المرحلة الحالية.
ورحب منتدى الصدمات القتالية الإسرائيلي، بالقرار واصفًا إياه بأنه خطوة مهمة، وقال في بيان، إن من الضروري أن يعترف الجيش بالجنود النظاميين والاحتياطيين، الذين انتحروا بعد تعرضهم لتجارب مؤلمة في أثناء الخدمة، داعيًا إلى مواصلة توسيع الدعم للمحاربين القدامى الذين يعانون صدمات مرتبطة بالقتال.
في المقابل، أشارت تقارير إسرائيلية إلى أن آلاف الجنود تركوا الجبهة، بسبب أزمات نفسية حادة ناجمة عن مشاهد القتل والتدمير، التي كانوا جزءًا منها أو شهودًا عليها وفق صحيفة "israelnationalnews".
شكاوى الجنود
تحدثت تقارير إسرائيلية عن معاناة جنود، خصوصًا في لواء جولاني، من إساءة معاملة وازدراء من قادتهم، شملت شتائم وتهديدات وإذلالا، إضافة إلى فرض غرامات وإقامة جبرية، وبحسب هذه التقارير، دفعت العقوبات القاسية بعض الجنود إلى الانتحار، وفق israelnationalnews.
ووفق القناة 12 الإسرائيلية، وجّه أهالي الجنود رسالة شديدة اللهجة إلى القادة، أول ديمسبر الجاري، اتهموهم فيها بإساءة معاملة أبنائهم وعدم احترامهم، مشيرين إلى تعرضهم للغة قاسية وتهديدات وعقوبات وصفوها بغير المتناسبة، حتى عند مغادرة منازلهم بعد فترات طويلة داخل قطاع غزة.
كشفت صحيفة "هآرتس" العبرية، مطلع ديسمبر الجاري، أن قيادات الجيش والحكومة الإسرائيلية تتعامل مع الأزمة النفسية الواسعة بتجاهل وصمت، بينما يرفض الجيش نشر بيانات رسمية حول العدد الحقيقي للجنود المصابين نفسيًا أو الذين سرحوا من الخدمة لهذه الأسباب.
وأضافت الصحيفة، أن الجيش الإسرائيلي لم يعتمد سياسة واضحة للتعامل مع الجنود الذين يرفضون المشاركة في قتل المدنيين، وأجبر العشرات منهم على القتال تحت تهديد السجن، ما دفع بعضهم إلى الانتحار أو محاولة الانتحار هربًا من هذا الواقع، وفقًا لمصادر إسرائيلية.