كان المبعوث الأمريكي جون بي. كويل منغمسًا في عشاء ودي يتفاوض فيه على تخفيف العقوبات مع الرئيس البيلاروسي ألكسندر لوكاشينكو، عندما التفت إليه الرجل القوي وأقرب حلفاء الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، بسؤال شخصي: "هل فقدت وزنًا؟".
وأجاب المحامي المخضرم الذي مثّل دونالد ترامب في دعاوى قضائية ضد "ميتا" ومنصات تواصل اجتماعي أخرى، بالإيجاب، وأخبر الرئيس البيلاروسي اسم الدواء، الأمر الذي وصفته صحيفة "وول ستريت جورنال"، بأنه "لحظة حميمية في واحدة من أغرب المبادرات الدبلوماسية منذ عودة ترامب إلى السلطة".
وتقول: "أراد لوكاشينكو من واشنطن تخفيف حزمة العقوبات المفروضة على بعض أكثر شركات بلاده ربحية، وإصلاح طائرته الرئاسية. في المقابل، كان مستعدًا لمبادلة المورد الوحيد الذي يملكه بوفرة: السجناء السياسيون".
وأشار التقرير إلى أنه "إذا نجح كويل، فقد يكون ذلك بمثابة اختبار أوليّ للهدف الرئيسي لإدارة ترامب، وهو إخراج بوتين واقتصاد روسيا الذي يبلغ تريليوني دولار من عزلتهما، وربما، كما فكر المسؤولون الأمريكيون، قد يكون هناك سبيل لمساعدة رئيس دولة بدين يبلغ من العمر 71 عامًا ويرغب في إنقاص وزنه".
وتلفت الصحيفة الأمريكية إلى أن "قناة لوكاشينكو الخلفية غير المعلنة أصبحت "متشابكة بشكل معقد"، وهو ما بدا في المحادثات التي يقودها شريك ترامب في لعبة الجولف ستيف ويتكوف، لإنهاء الصراع الأكثر دموية في أوروبا منذ الحرب العالمية الثانية".
وبعد أن كان لوكاشينكو منبوذًا من الغرب، صار يقدم المشورة للولايات المتحدة بشأن كيفية التعامل مع بوتين، ويساعد في تشجيع القمة الأمريكية الروسية في ألاسكا، الصيف الماضي.
الديكتاتور الأخير
ونقلت "وول ستريت جورنال" عن كويل في مقابلة أجريت معه في قصره الذي يعود إلى منتصف القرن الماضي، ويطل على منتزه روك كريك في واشنطن قوله: "لا يهمني مع من نتحدث". وأضاف أن مساعيه لإقامة علاقة شخصية مع لوكاشينكو تهدف إلى محاكاة نهج ترامب تجاه قادة العالم، وهو نهج يراه الغرب بغيضًا.
وتابع: "هذا حقًا نهج ترامبي. لا يهم من تتحدث إليه، المهم أن هذا الشخص قادر على تحقيق ما تريد".
بالفعل، في الشهر الماضي، أفرج لوكاشينكو، الذي وصفه الغرب بأنه "الديكتاتور الأخير والوحيد في أوروبا"، عن 123 سجينًا، من بينهم الحائز على جائزة نوبل أليس بيالياتسكي والمعارضة ماريا كاليسنيكوفا.
ومنذ تولي ترامب منصبه، أفرجت بيلاروسيا عن أكثر من 250 معتقلًا من أكثر من 10 دول، من بينهم خمسة على الأقل يحملون الجنسية الأمريكية، في واحدة من أكبر عمليات إطلاق سراح السجناء السياسيين منذ انهيار الشيوعية.
في المقابل، تُقدّم الولايات المتحدة دعمًا اقتصاديًا هائلًا لنظامه، ورفعت واشنطن العقوبات عن البوتاس، وهو عنصر أساسي في صناعة الأسمدة ومصدر مهم للعملة الصعبة لبيلاروسيا، ثالث أكبر منتج له بعد كندا وروسيا.
كما رتبت إدارة ترامب لشركة بوينج تزويد شركة الطيران الحكومية "بيلافيا" بالبرمجيات وقطع الغيار، إضافة إلى ذلك، تخضع الطائرة الرئاسية لبعض أعمال الصيانة التي طال انتظارها.
وتأمل إدارة ترامب الآن أن تجعل من بيلاروسيا مثالًا على المكافآت التي يمكن أن تكون متاحة أيضًا لبوتين -صديقه وراعيه على مدى ربع قرن- إذا ساعدت روسيا الولايات المتحدة على إنهاء الحرب في أوكرانيا سلميًا.
ونقلت الصحيفة عن مسؤول أمريكي: "سيجد بوتين نفسه في نهاية المطاف أمام موقفٍ يضطر فيه إلى اتخاذ قرارٍ بالغ الصعوبة. ومن المهم أن يُبدي الشخص الذي يعرفه جيدًا ويثق به ثقة تامة رأيًا إيجابيًا بشأن الصفقة".
أين تقع بيلاروسيا؟
كان جون كويل يحضر فعالية في السفارة البريطانية بواشنطن عندما اتصلت به وزارة الخارجية الأمريكية، طالبةً منه الذهاب إلى بيلاروسيا لاستعادة سجين سياسي يحمل جواز سفر أمريكي، وفي الواقع، لم يكن خيارًا تقليديًا لقيادة بعثة دبلوماسية إلى بيلاروسيا.
ونقلت "وول ستريت جورنال" عن كويل قوله: "أول ما خطر ببالي أين تقع هذه الدولة بحق الجحيم؟".
وبعيدًا عن أنظار العامة، كان لوكاشينكو يُمهّد الطريق لتقريب بلاده من أمريكا، مستخدمًا السجناء. فمباشرةً بعد تنصيب ترامب لولاية ثانية، اتصلت وزارة الخارجية في مينسك بوزارة الخارجية الأمريكية عبر قناة تُستخدم عادةً لتنسيق العمليات العسكرية، معربةً عن أمل بلادها في انفراجة في العلاقات.
في ذلك الوقت، كانت روسيا وبيلاروسيا على أهبة الاستعداد لإطلاق سراح سجناء، بهدف بناء علاقات مع مسؤولين مقربين من ترامب، ممن رأت موسكو ومينسك أنهم متقبلون لوجهة نظرهما.
وفي 11 فبراير، أفرج بوتين عن مدرس تاريخ أمريكي في مدرسة ثانوية، كان مسجونًا بتهمة حيازة الماريجوانا، خلال اجتماع مع ويتكوف.
في اليوم التالي، أفرجت بيلاروسيا عن مواطن أمريكي كانت وزارة الخارجية الأمريكية صنفته كمحتجز ظلمًا، وبعد مزيد من المحادثات مع دبلوماسيين أمريكيين، أفرجت عن ثلاثة سجناء آخرين، من بينهم مواطن أمريكي وصحفي يعمل في إذاعة أوروبا الحرة.
ثم اتصلت وزارة الخارجية الأمريكية بكويل لإبلاغه بأن بيلاروسيا لديها سجين آخر جاهز للإفراج عنه، وهو يوراس زيانكوفيتش، مواطن يحمل الجنسيتين الأمريكية والبيلاروسية، أُلقي القبض عليه في موسكو ثم سُلّم إلى بيلاروسيا وحُكم عليه بالسجن 11 عامًا بتهمة التخطيط لانقلاب. وطُلب من كويل، الذي كان آنذاك نائب المبعوث الخاص إلى أوكرانيا، الذهاب لإحضاره.
وفي غضون 48 ساعة، كان المحامي في مينسك يجلس مقابل لوكاشينكو في قصر رئاسي ذي قاعة استقبال فسيحة. وتحدث الاثنان لمدة أربع ساعات، وتناولا الخبز الأسمر وفطائر البطاطا ومجموعة متنوعة من اللحوم.
وفي يونيو، طلب لوكاشينكو من كويل العودة إلى مينسك. وفي مقابل تخفيف العقوبات المفروضة على شركة الطيران الحكومية، تعهد بالإفراج عن 14 سجينًا آخر، من بينهم سيرجي تيخانوفسكي، شخصية معارضة بارزة إلى جانب زوج تسيخانوفسكايا، زعيمة المعارضة المنفية.
وهناك، كان ذلك الحديث الذي نصح فيه المبعوث الأمريكي الرئيس البيلاروسي بدواء إنقاص الوزن.