في أواخر أكتوبر، قاد رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق نفتالي بينيت سيارته الرياضية في جولة إلى صحراء النقب بجنوب إسرائيل، وزار جامعة بن جوريون في بئر السبع، وألقى كلمة في مؤتمر بمدينة عومر الثرية، ثم اختتم يومه بتصوير مقطع فيديو حمل طابعًا تحريضيًا ضد المجتمعات البدوية الفلسطينية، محملاً إياها مسؤولية معظم مشاكل إسرائيل، وفق مجلة +972 الإسرائيلية.
تحريض ضد البدو
وفي فيديو نشره عبر صفحاته الرسمية على مواقع التواصل الاجتماعي، حذر بينيت قائلاً: "إنهم يبنون دولة فلسطينية هنا في النقب، وإذا لم نتحرك فسوف نستيقظ على السابع من أكتوبر للمستوطنات اليهودية في النقب".
وأضاف: "تعدد الزوجات مستمر، والبدو يتزوجون من فلسطينيات من الخليل، فيصبح الأطفال فلسطينيين بعقلية فلسطينية، هناك أسلمة متزايدة، لا يوجد حكم، حوادث وقيادة جنونية وابتزاز، علينا أن نعيد النظام إلى النقب، وسنفعل ذلك".
طموح سياسي جديد
تُعد هذه الجولة جزءًا من سعي بينيت المتجدد للعودة إلى رئاسة الوزراء قبل الانتخابات المقبلة المقرر عقدها في أكتوبر 2026، وعلى الرغم من أنه لا يشغل حاليًا مقعدًا في الكنيست، فإنه أسس حزبًا جديدًا باسم "بينيت 2026"، وتشير استطلاعات الرأي إلى أنه يحتل المرتبة الثانية بعد حزب الليكود بزعامة بنيامين نتنياهو، ما يجعله في موقع قوي لتشكيل حكومة معارضة إذا جرت الانتخابات اليوم.
كان بينيت، الذي شغل سابقًا منصب مدير مجلس "يشع" الاستيطاني المشرف على المجالس البلدية اليهودية في الضفة الغربية المحتلة، يُعتبر من رموز اليمين الإسرائيلي المتشدد.
وأعاد تقديم نفسه مؤخرًا كشخصية وسطية تحظى بقبول بين المعسكر الليبرالي المناهض لنتنياهو، ومع ذلك، يبدو أنه وجد في الخطاب التحريضي ضد البدو وسيلة لإثارة الرأي العام وكسب التأييد الشعبي مجددًا.
تناقضات الماضي
خلال فترة ولايته القصيرة بين عامي 2021 و2022، كان دعم حزب "راعام" برئاسة منصور عباس الذي يمثل المجتمع البدوي عاملاً أساسيًا في تمكين بينيت من تشكيل الحكومة، وشمل اتفاقه مع الحزب الاعتراف بعدد من القرى البدوية غير المعترف بها في النقب.
ورغم ذلك، تجاهل بينيت هذا التاريخ المشترك خلال خطابه الأخير، متناسيًا أن كل مستوطنة يهودية جديدة في النقب أُقيمت إما بجوار قرى بدوية فلسطينية أو على أنقاضها مباشرة، فالبدو هم السكان الأصليون لهذه الأرض، وقد عاشوا فيها لقرون طويلة.
من بين تصريحات بينيت المثيرة، كان قوله إن البدو "كانوا علمانيين في الماضي"، وقد عدّ مراقبون هذا الادعاء محاولة جديدة لإضفاء بعد ديني على الصراع، فمنذ قيام إسرائيل، دأب القادة الإسرائيليون على تصوير بدو النقب كمجتمعات محافظة وقبلية ومتدينة، لكن بينيت، وهو نفسه متدين، أشار إلى أن "العربي العلماني" مقبول أكثر من المتدين، في تناقض لافت مع موقفه تجاه اليهود الإسرائيليين.
وكتب الدكتور حاييم فايس من جامعة بن جوريون تعليقًا على زيارة بينيت قائلاً: "أي شخص يسعى لتحقيق مكاسب سياسية على حساب البدو، الذين ربما هم السكان الأكثر تهميشًا في إسرائيل، ليس أكثر من زعيم شعبوي يريد أن يحل محل الزعيم الشعبوي الذي سبقه".
حملة بن جفير
بعد أقل من أسبوع على جولة بينيت، زار وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير النقب لإطلاق حملة تحت عنوان "عملية صقر الجنوب 3"، واصفًا إياها بأنها "حرب ضد المتعدين على أراضي الدولة"، رافقه مسؤولون من سلطة أراضي إسرائيل وضباط من وحدة "يوآف" الشرطية، وهي وحدة خاصة مكلفة بتنفيذ أوامر الهدم في التجمعات البدوية.
ووفقًا لبيان رسمي، استخدمت الحملة تقنيات ذكاء اصطناعي متقدمة لتحديد ما تصفه الحكومة بـ"الاستيلاء غير القانوني على الأراضي" عبر عمليات مسح جوي، وشملت الحملة إصدار نحو 600 أمر هدم في القرى البدوية.
رفض بدوي واسع
نددت منظمات القيادة البدوية المحلية بتصريحات بينيت وبحملة بن جفير، معتبرة أن ما يجري يمثل سياسة منهجية لتهويد النقب واقتلاع سكانه الفلسطينيين من أراضيهم تحت غطاء قانوني وإعلامي مضلل، وأعلنت اللجنة التوجيهية لعرب النقب أنها ستتخذ إجراءات قانونية ضد بينيت بتهمة التحريض.
وجاء في بيانها: "الحديث عن الغزوات هو تحريف للواقع التاريخي، فعرب النقب هم أصحاب الأرض الشرعيون الذين هُجّر معظمهم عام 1948، وصودرت أكثر من 90٪ من أراضيهم، وهذه العمليات لن ترعبنا ولن تغير الواقع، لن نترك أرضنا وسنواصل نضالنا المشروع من أجل الاعتراف الكامل بحقنا في العيش بكرامة على أرض أجدادنا".
وحسب المجلة الإسرائيلية، فإنه رغم اختلاف الأساليب، يبدو أن بينيت وبن غفير يتشاركان الهدف نفسه، وهو استغلال النقب كورقة سياسية في حملاتهما الانتخابية، فكلاهما تبنى خطابًا معادياً لفلسطينيي الداخل، وكلاهما يفتقر إلى خطة حقيقية لتنمية الجنوب، الذي يُعد من أكثر المناطق فقراً وتهميشًا في إسرائيل.
ويمتلك المجتمع البدوي، الذي يضم أكثر من 170 ألف ناخب مسجل، قوة انتخابية مؤثرة، رغم محاولات اليمين المتكررة لتقليص مشاركته السياسية، ويرى مراقبون وفق "+972 الإسرائيلية" أن السياسي القادر على التعامل مع هذا المجتمع كشريك لا كخصم هو من سيملك مفتاح الاستقرار السياسي المقبل في إسرائيل.