تأتي جولة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الآسيوية، والتي بدأت في 26 أكتوبر 2025، لتشمل العديد من المحطات والمشاركة في فعاليات محورية، منها زيارة ماليزيا للمشاركة في قمة رابطة دول جنوب شرق آسيا "الآسيان"، وكذلك حضور مراسم توقيع اتفاق موسع لوقف إطلاق النار بين تايلاند وكمبوديا في كوالالمبور، وهو الاتفاق الذي اعتبره ترامب بمثابة لحظة مهمة لكل شعوب آسيا، فضلًا عن توقيعه اتفاقات تجارية بين واشنطن وكلا البلدين.
كذلك تشمل الجولة اليابان ولقاء الرئيس ترامب برئيسة الوزراء المنتخبة مؤخرًا ساناي تاكايتشي، كما يلتقي الرئيس الأمريكي مع نظيره الصيني شي جين بينج، خلال زيارته إلى كوريا الجنوبية، وهي القمة التي يعتقد العديد من المحللين بأنها ستسهم في وضع ركائز لمستقبل العلاقات التجارية بين البلدين، والتي سيكون لها تداعيات مباشرة على الاقتصاد العالمي، لا سيما أن الاقتصادين الأمريكي والصيني يحتلان المركزين الأول والثاني على المستوى العالمي. وتأسيسًا على ما سبق، تأتي جولة ترامب الآسيوية في إطار تعزيز النفوذ الأمريكي في جنوب شرق آسيا، من خلال ما يوصف بعودة القيادة الأمريكية إلى آسيا، في ظل تنامي التنافس مع الصين في منطقة الإندوباسيفيك.
محطات متنوعة
تشتمل جولة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الآسيوية على العديد من المحطات والفعاليات التي تهدف إلى تعزيز النفوذ الأمريكي في منطقة جنوب شرق آسيا، ويمكن الإشارة إلى أبرز تلك المحطات والفعاليات على النحو التالي:
(*) المشاركة في قمة الآسيان: تعكس مشاركة الرئيس الأمريكي في قمة رابطة دول جنوب شرق آسيا الأهمية الاستراتيجية لدول الرابطة في التوجهات الأمريكية إزاء آسيا في الولاية الثانية، حيث تصنف "آسيان" بأنها من بين المناطق الأسرع نموًا اقتصاديًا على المستوى العالمي، وذات كثافة سكانية مرتفعة، إذ يبلغ عدد سكان دول الرابطة مجتمعة ما يقرب من 600 مليون نسمة، وتمتد على مساحة 4,5 مليون كيلومتر مربع، ويقدر إجمالي الناتج المحلي لدول الرابطة بـ 3,1 تريليون دولار أمريكي، ما يمثل 9,13% من الناتج المحلي الإجمالي لقارة آسيا. وتتوقع التقديرات أن تصبح دول الرابطة أحد أبرز المراكز العالمية سريعة النمو لتخزين وإدارة البيانات خلال السنوات الخمس المقبلة، متجاوزة بذلك أمريكا الشمالية ودول آسيا والمحيط الهادئ.
(*) توقيع اتفاق بين تايلاند وكمبوديا: شهد الرئيس الأمريكي عقب وصوله إلى العاصمة الماليزية كوالالمبور مراسم توقيع اتفاق بين كمبوديا وتايلاند. ويأتي ذلك تتويجًا لجهود ترامب منذ يوليو 2025، بعد ضغوطه لوقف إطلاق نار غير مشروط عقب خمسة أيام من الصراع عبر الحدود بين البلدين، أسفر عن مقتل العشرات ونزوح آلاف المواطنين، حيث تم توقيع الاتفاق في ماليزيا بعد ضغوط من الرئيس ترامب الذي هدد بوقف الصفقات التجارية مع البلدين. ووجه رئيس وزراء كمبوديا هون مانيت، والقائم بأعمال رئيس الوزراء التايلاندي فومتام ويتشاياتشاي الشكر للرئيس الأمريكي ترامب وللحكومة الصينية لجهودهما المتعلقة بالتوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار بين الجانبين خلال تواجدهما في ماليزيا. وقبل توقيع الاتفاق، أعلن ترامب في منشور على منصة "تروث سوشيال" في 26 يوليو 2025 بأنه تواصل مع رئيس وزراء كمبوديا والقائم بأعمال رئيس الوزراء التايلاندي، وأن الجانبين اتفقا على الاجتماع والعمل بسرعة للتوصل إلى وقف لإطلاق النار.
(*) المشاركة في قمة منتدى التعاون الاقتصادي لآسيا والمحيط الهادئ: من المقرر أن يشارك ترامب في قمة منتدى التعاون الاقتصادي لآسيا والمحيط الهادئ (APEC) في كوريا الجنوبية خلال الفترة من 31 أكتوبر إلى 1 نوفمبر 2025. ويجمع المنتدى 21 اقتصادًا يمثل أعضاؤه ما يقرب من 40% من سكان العالم، وما يقرب من نصف حجم التجارة العالمية، وحوالي 60% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي. ومن المتوقع أن تشهد فعاليات المنتدى لقاء قمة بين الرئيسين الأمريكي دونالد ترامب والصيني شي جين بينج، وهو اللقاء الذي يعتقد العديد من المحللين أنه سيسهم في وضع ركائز لمستقبل التعاون التجاري بين الجانبين، ويحد من احتدام الحرب التجارية بينهما على خلفية فرض ترامب رسومًا جمركية على الصادرات الصينية إلى الولايات المتحدة الأمريكية وتهديده بفرض رسوم جمركية جديدة بنسبة 100% على السلع الصينية اعتبارًا من 1 نوفمبر 2025، ردًا على الإجراءات والضوابط التي اتخذتها الصين على المعادن الأرضية النادرة والمعادن المغناطيسية.
(*) زيارة اليابان: تأتي زيارة ترامب إلى اليابان ضمن جولته الآسيوية، حيث أعلن كبير أمناء مجلس الوزراء الياباني مينورو كيهارا أن ترامب سيزور اليابان في الفترة من 27 إلى 29 أكتوبر 2025 لإجراء مباحثات مباشرة مع رئيسة الوزراء اليابانية الجديدة ساناي تاكايتشي. وتكتسب الزيارة أهميتها كونها أول زيارة له لليابان في ولايته الثانية، وأول زيارة له بعد انتخاب تاكايتشي، وهي أول امرأة يابانية تتولى هذا المنصب الرفيع. وأكدت تاكايتشي أنها أبلغت ترامب في اتصال هاتفي بتاريخ 25 أكتوبر 2025 بأن تعزيز التحالف بين اليابان والولايات المتحدة هو الأولوية القصوى لإدارتها على الصعيدين الدبلوماسي والأمني. كما تعكس الزيارة مركزية التحالف الأمريكي الياباني، حيث تسعى أمريكا لموازنة الصعود الصيني في آسيا من خلال تعزيز شراكاتها مع الحلفاء، وهو ما دفع واشنطن لتشجيع اليابان على زيادة إنفاقها العسكري ليصل إلى 3,5%، والذي بدوره ضاعفت اليابان إنفاقها العسكري ليصل إلى 2% من ناتجها المحلي الإجمالي.
الخلاصة، تعكس جولة ترامب الآسيوية محورية التوجه الآسيوي في الاستراتيجية الأمريكية، والتي تهدف بالأساس لتعزيز الوجود الأمريكي، وتوظيف النفوذ في الاستفادة من الفرص الاقتصادية والتنموية التي تقدمها الاقتصادات الآسيوية الصاعدة كأقطاب اقتصادية دولية، كما يسعى ترامب لمحاصرة الصعود الصيني في آسيا من خلال تعزيز تحالفات أمريكا الاستراتيجية مع دول مثل الهند واليابان وكوريا الجنوبية، بهدف ترتيب هيكل القوة في منطقة الإندوباسيفيك، رغم صعوبة فك الارتباط بين الاقتصادين الأمريكي والصيني وما يطرح حول مبدأ التنافس التعاوني بين أمريكا والصين.