الموقع الرسمي | القاهرة الاخبارية

هل ينجح ترامب في تسوية الصراع الروسي الأوكراني؟

  • مشاركة :
post-title
دونالد ترامب وفلاديمير بوتين

القاهرة الإخبارية - د. مبارك أحمد

جاءت مكالمة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مع نظيره الروسي فلاديمير بوتين في 16 أكتوبر 2025 وإعلانه على منصة "تروث سوشيال" أنه سيلتقي بنظيره الروسي فلاديمير وتين في المجر خلال أسبوعين، سعيًا نحو تسوية الصراع الروسي الأوكراني، لا سيما أن تلك المكالمة سبقت لقاءه بنظيريهما الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بالبيت الأبيض في 18 أغسطس 2025 الذي يأمل الحصول من واشنطن على صواريخ توماهوك، حيث أعرب ترامب خلال المكالمة عن ثقته بأن تسوية الصراع في الشرق الأوسط سوف تساعد في المفاوضات بشأن أوكرانيا، موضحًا أنه ناقش مع بوتين مستقبل التجارة بين روسيا والولايات المتحدة بعد تسوية الأزمة في أوكرانيا.

وتأسيسًا على ما سبق؛ يثار تساؤل مركزي حول مدى قدرة ترامب على تسوية الصراع الروسي الأوكراني، في ظل تنوع التحديات التي تواجه وقف إطلاق النار وتسوية الأزمة الأوكرانية مع إصرار طرفي الصراع على تحقيق مصالحهما، ورفض تقديم تنازلات متبادلة تسهم في تقريب وجهات النظر.

مؤشرات دالة

تعكس العديد من الخطوات التي يتخذها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في الآونة الأخيرة سعيًا لتسوية الصراع الروسي الأوكراني، الذي كان له تأثيراته على كل أقاليم العالم. ويمكن الإشارة إلى أبرز تلك المؤشرات على النحو التالي:

(*) الاتصال الهاتفي بين ترامب وبوتين: يأتي الاتصال الهاتفي بين الرئيسين الأمريكي والروسي في 16 أكتوبر 2025، مؤشرًا على سعي ترامب لتسوية الصراع الروسي الأوكراني بعد أن أسهم مع الجهود المصرية في توقيع اتفاق إنهاء الحرب في غزة، خلال انعقاد قمة شرم الشيخ للسلام في 13 أكتوبر 2025، وهو الأمر الذي أكد عليه ترامب بالقول إن تسوية الصراع في الشرق الأوسط سوف تساعد في المفاوضات بشأن أوكرانيا.

وتتنوع دوافع ترامب لتسوية الصراعات الدولية، وتقديم نفسه كصانع للسلام العالمي أملًا في الحصول على جائزة نوبل للسلام العام القادم، فضلًا عن رغبته في ترجمة شعاره الانتخابي "أمريكا أولًا"، وهو الشعار الذي يتبنى تعزيز المصالح الأمريكية، وتوظيف تسوية تلك الصراعات في الحفاظ على الهيمنة الأمريكية على تفاعلات النظام الدولي، في ظل سعى أقطاب اقتصادية صاعدة مثل الصين وروسيا والهند، لإرساء التعددية القطبية بدلًا من الأحادية القطبية التي تحقق المصالح الأمريكية بالأساس.

(*) قمة المجر: جاء إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على منصة تروث سوشيال في 16 أكتوبر 2025 أنه قرر عقد اجتماع لكبار مستشاريه الأسبوع المقبل، حيث سيقود وزير الخارجية ماركو روبيو الاجتماعات التحضيرية للقمة من ناحية الولايات المتحدة مع أشخاص آخرين سيتم تعيينهم، على أن يتبعه لقاء بين ترامب وبوتين في بودابست بالمجر بهدف "إنهاء هذه الحرب غير المشرفة بين روسيا وأوكرانيا" على حد وصفه.

وتعد تلك القمة المرتقبة بين ترامب وبوتين المحطة الثانية في لقاءات القمة بينهما خلال العام الجاري، إذ عُقدت القمة الأولى بينهما في 15 أغسطس 2025 بولاية ألاسكا الأمريكية. وبرغم إخفاق مباحثات القمة في التوصل لوقف إطلاق النار في أوكرانيا، إلا أن بوتين نجح في توظيف القمة لكسر العزلة الغربية المفروضة على بلاده منذ اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية في فبراير 2022.

(*) زيارة زيلينسكي إلى واشنطن: تأتي زيارة الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي إلى واشنطن ولقائه بالرئيس دونالد ترامب في إطار سعيه للحصول على مزيد من الدعم العسكرى، بما في ذلك صواريخ توماهوك الأمريكية بعيدة المدى حال تعثر المسار الأمريكي لحل الصراع. 

وربما يعكس لقاء ترامب وزيلينسكي ملامح التحول في الموقف الأمريكي من الأزمة الأوكرانية وما أعلنه ترامب خلال اللقاء عن رغبته في إنهاء الحرب في أوكرانيا، وأنه سيفعل ذلك مشيرًا إلى أنه يعتقد أن بوتين يرغب في إنهاء الحرب، مضيفًا: "علينا أولًا نزع الكراهية من صدري بوتين وزيلينسكي".

من جهته، أعلن زيلينسكي أن بلاده بحاجة لوقف إطلاق النار مثلما حدث في الشرق الأوسط، وأنه سيبحث مع ترامب الضمانات والدعم العسكري، ويعد هذا اللقاء الثالث بين ترامب وزيلينسكي بعد اللقاء الأول لهما في البيت الأبيض في مارس 2025 وما أثاره من جدل واسع النطاق بعد المشادة الكلامية، فيما جاء اللقاء الثاني فى إطار إجراءات بناء الثقة بكاتدرائية القديس بطرس بروما 26 أبريل 2025 على هامش جنازة البابا فرنسيس.

(*) اجتماع مجموعة الاتصال الدفاعية الخاصة بأوكرانيا: عقدت مجموعة الاتصال الدفاعية الخاصة بأوكرانيا اجتماعًا لها في بروكسيل في 15 أكتوبر 2025 بمقر حلف شمال الأطلسي (ناتو)، وهي المجموعة التي تتشكل من حلفاء كييف وفي مقدمتهم: الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا وفرنسا وألمانيا. 

وأعلن وزير الدفاع الأوكراني أن بلاده تحتاج إلى 20 مليار دولار العام المقبل لشراء أسلحة أمريكية في إطار مبادرة الحلف، ومؤكدًا على قدرة بلاده على إنتاج 10 ملايين الطائرات المُسيَّرة بحلول 2026 إذا ما تلقت التمويل الكافي من حلفائها، فضلًا عن حاجتها إلى المزيد من قذائف المدفعية بعيدة المدي في حربها ضد روسيا.

وتعزيزَا لذلك التوجه، أعلن وزير الحرب الأمريكي بيت هجسيث أن واشنطن وحلفاءها سيتخذون الخطوات اللازمة لفرض تكاليف على روسيا بسب عدوانها المستمر، ما لم تضع حدًا للحرب في أوكرانيا.

هل ينجح ترامب في تسوية الصراع الروسي الأوكراني؟

تتنوع التحديات التي تواجه تسوية الصراع الروسي الأوكراني، ويمكن الإشارة إلى أهمها على النحو التالي:

(&) تسليح أوكرانيا: تشكِّل معضلة تسليح أوكرانيا من حلفائها الغربيين أحد التحديات التي تواجه تسوية الصراع الروسي الأوكراني، لا سيما أن خلل ميزان القوة بين روسيا وأوكرانيا أسهم في إطالة أمد الحرب، لذلك حذَّر وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف في 15 أكتوبر 2025 الولايات المتحدة من تسليم صواريخ توماهوك لأوكرانيا، مؤكدًا أن ذلك من شأنه أن يلحق ضررًا هائلًا بتطبيع العلاقات بين روسيا والولايات المتحدة الأمريكية. 

وجاء ذلك التحذير بعد أن ألمح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في وقت سابق إلى إمكانية تزويد أوكرانيا بصواريخ توماهوك الهجومية بعيدة المدى، إذا لم توافق روسيا على إنهاء الحرب. 

وفي السياق نفسه، أكد مساعد الرئيس الروسي يوري أوشاكوف أن بوتين أبلغ ترامب خلال المكالمة الهاتفية التي أجريت بينهما مؤخرًا بأن تزويد كييف بصواريخ توماهوك لن يغير الوضع في ميدان المعركة، لكنه سيضر بالعلاقات بين موسكو وواشنطن والتسوية في أوكرانيا، وأن القوات الروسية تمتلك المبادرة الاستراتيجية على طول خط التماس في مناطق العمليات.

(*) مطالب طرفي الصراع: يشكِّل إصرار طرفي الصراع روسيا وأوكرانيا على انصياع الطرف الآخر لشروطه أبرز التحديات التي تواجه الجهود الأمريكية لتسويته، فالرئيس الروسي فلاديمير بوتين يطالب الدول الغربية وأوكرانيا بالاعتراف بضم الأقاليم الأربعة التي أعلنت موسكو ضمها للسيادة الروسية في 30 سبتمبر 2022 بعد اندلاع الحرب وهي مناطق دونيتسك ولوجانسيك وزابوريجيا وخيرسون، فضلًا عن رفض انضمام أوكرانيا إلى حلف شمال الأطلسى (ناتو) ووقف تمدد الحلف إزاء مناطق تماس الأمن القومي الروسي.

في المقابل، يصر الرئيس الأوكراني فلودومير زيلينسكى على جلاء القوات الروسية من كل الأراضي الأوكرانية التي احتلتها موسكو، وحق أوكرانيا في الانضمام لحلف الناتو.

(*) معضلة الموقف الأوروبي: على الرغم من مساندة أوروبا لأوكرانيا فى حربها ضد روسيا، إلا أن خفوت الدور الأوروبي في محطات التحول نحو السلام بين روسيا وأوكرانيا يعكس معضلة الأمن الأوروبي بشكل عام، وهو الأمر الذي جسده ضعف الوجود الأوروبي في المفاوضات الأمريكية الروسية بشأن أوكرانيا أو حتى المفاوضات الروسية الأوكرانية.

على الجانب الآخر، بدأت العديد من القوى الأوروبية تعزيز قدراتها العسكرية، بما أدى إلى سباق تسلح محموم في القارة الأوروبية، فضلًا عن تنامي الحديث حول الردع النووى الأوروبي، وهو ما أشار إليه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون حول مد مظلة الردع النووي الفرنسي للحلفاء، كما اتجهت دول أوروبية رئيسية كألمانيا وفرنسا إلى بناء شراكات إستراتيجية جديدة مع كل من الصين والهند، وهو ما يعد خصمًا من رصيد التحالف الأوروبي الأمريكي.

مجمل القول: تجسِّد التحركات الأمريكية إزاء تسوية الصراع الروسي الأوكراني ملامح التحول في الموقف الأمريكي نحو إنهاء الحروب التي تمثل تهديدًا للاستقرار العالمي وترجمًة للخطاب الانتخابي الذي روج له ترامب خلال حملته الانتخابية بقدرته على وقف الحروب حال انتخابه، وفي مقدمتها الحرب فى أوكرانيا التى اعتقد أنها ستتوقف بمجرد انتخابه، وهو ما لم يتحقق حتى الآن، وربما يعود ذلك لتعقد الصراع الروسي الأوكراني، وارتباطه بطموحات بوتين الراغب في تحسين مكانة روسيا فى نظام دولي لا يزال قيد التشكيل.