جاء انعقاد قمة شرم الشيخ للسلام في 13 أكتوبر 2025 تحت الرئاسة المشتركة للرئيس عبد الفتاح السيسي والرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وبحضور قادة أكثر من 30 دولة من أنحاء العالم، ليعكس مكانة مصر كركيزة للاستقرار في الشرق الأوسط، وداعم رئيسي للحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني في تقرير مصيره وإقامة دولته المستقلة.
وقد تنوعت رسائل الرئيس ترامب لإقليم الشرق الأوسط وللعالم، ومنها إشادته بالرئيس عبد الفتاح السيسي ووصفه بأنه قائد عظيم وصانع للسلام، وتوجيه الإشادة للقادة المشاركين في القمة، معتبرًا أن توقيع اتفاق وقف إطلاق النار وإنهاء الحرب على غزة بمثابة يوم عظيم للشرق الأوسط، وأنه تم تحقيق ما كان يعتبره الجميع مستحيلًا.
هذا التنوع في الرسائل سواء للإقليم أو للعالم هدف بالأساس إلى استعادة مكانة الولايات المتحدة في إقليم الشرق الأوسط، والسعي لتسوية صراعاته ونزاعاته، وفي مقدمتها الصراع الفلسطيني الإسرائيلي الذي يعد الأصعب والأكثر تعقيدًا.
رسائل متعددة
تنوعت الرسائل التي تضمنها خطاب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب خلال فعاليات قمة شرم الشيخ للسلام، والتي يمكن الإشارة إلى أهمها على النحو التالي:
(*) عودة الاهتمام الأمريكي بالشرق الأوسط:
على الرغم من أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تبنى في ولايته الأولى الانسحاب من مناطق الصراعات في مناطق العالم المختلفة، وفي مقدمتها منطقة الشرق الأوسط التي اعتبرها منطقة تموج بالصراعات المتنوعة والمعقدة، والتي ترتفع تكلفة تسويتها وعلى أطراف ذلك الإقليم المشاركة في تحمل تلك التكلفة، إلا أن اندلاع الحرب الإسرائيلية على غزة جعل الموقف الأمريكي أكثر انحيازًا للرؤية الإسرائيلية سواء خلال فترة الرئيس جو بايدن أو منذ انتخاب الرئيس الحالي دونالد ترامب، الذي ساند أفكار نتنياهو سواء فيما يتعلق بالتهجير أو تغيير الشرق الأوسط، وهو ما جعل الرئيس ترامب يطرح تحويل غزة إلى "ريفيرا الشرق الأوسط".
غير أن ذلك التوجه بدأ يتغير تدريجيًا مع الرفض الإقليمي والعالمي لخطط التهجير أو تصفية القضية الفلسطينية، والمطالبة بإحلال السلام في الشرق الأوسط.
لذلك اعتبر الرئيس ترامب خلال خطابه بقمة السلام بشرم الشيخ أن توقيع الاتفاق لوقف حرب غزة هو الصفقة الأعظم على الإطلاق، قائلًا: "سنأخذ الشرق الأوسط إلى مستقبل أفضل".
(*) محورية الدور المصري كصانع للسلام:
جسد الموقف المصري وصلابته في رفض التهجير ورفض تصفية القضية الفلسطينية متغيرًا مهمًا ساهم في إدراك العالم لخطورة التوجهات الإسرائيلية وما تقوم به من انتهاكات ضد الشعب الفلسطيني.
وقد تنوعت التحركات المصرية لإحلال السلام في الإقليم ومنع توسيع رقعة الصراع من خلال عقد قمة القاهرة للسلام في أكتوبر 2023، ومناشدة الرئيس عبد الفتاح السيسي المجتمع الدولي بتحمل مسؤولياته في ضرورة وقف الحرب، فضلًا عن تحركات الوساطة المصرية بمشاركة قطر والولايات المتحدة لوقف إطلاق النار بين الجانبين، وصولًا إلى عقد قمة شرم الشيخ للسلام في أكتوبر 2025، والتي توجت بتوقيع اتفاق إنهاء الحرب على غزة بضمانة مصرية أمريكية قطرية تركية.
لذلك جاء وصف الرئيس دونالد ترامب للرئيس عبد الفتاح السيسي بأنه قائد قوي وصانع للسلام.
(*) القدرة على إنهاء الحروب:
يسوّق الرئيس الأمريكي دونالد ترامب نفسه بأنه قادر على صنع السلام العالمي وإطفاء الحروب في مناطق العالم المختلفة، حيث تمكن وفق تصريحاته وبيان للبيت الأبيض من إنهاء ما يقرب من سبعة صراعات منذ توليه مقاليد السلطة في الولايات المتحدة الأمريكية.
ومن أبرز تلك الصراعات: الصراع الهندي الباكستاني، والصراع بين أرمينيا وأذربيجان، والصراع بين الكونغو ورواندا، والصراع بين كمبوديا وتايلاند، والصراع بين صربيا وكوسوفا.
وقد أكد رئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف عقب توقيع اتفاق إنهاء الحرب في غزة بشرم الشيخ، بعد أن طلب منه الرئيس ترامب أن يلقي كلمة، شكره للرئيس دونالد ترامب والرئيس السيسي على جهودهما للوصول إلى وقف إطلاق النار في غزة، مشيدًا بالدور الكبير لترامب في وقف إطلاق النار بين الهند وباكستان، قائلًا:
"العالم سيتذكر ترامب وكل الجهود التي قام بها، حيث أوقف سبع أو ثماني حروب كاملة، كما أنه ساهم في إحلال السلام في غزة، وأن باكستان رشحت ترامب مرة أخرى لنيل جائزة نوبل للسلام، ولولا تدخل الرئيس الأمريكي وفريقه في حرب قوتين نوويتين بين الهند وباكستان لما كنا هنا لنحكي اليوم ما نحن عليه الآن".
(*) دعم إعادة إعمار غزة:
تمثل إعادة إعمار غزة أحد البنود الرئيسية من خطة ترامب للسلام التي تم توقيعها في شرم الشيخ، لاسيما بعد أن أصبح قطاع غزة مدمرًا بشكل شبه كامل، حيث تشير الإحصاءات الدولية إلى أن أضرار القطاع التعليمي امتدت إلى أكثر من 95% من مدارس القطاع.
أما القطاع السكني فيحتاج إلى ما يقرب من 30 مليار دولار بعد تدمير أكثر من 161 ألف وحدة سكنية تدميرًا كاملًا، بينما تضررت أكثر من 276 ألف وحدة سكنية.
أما القطاع الصحي، الذي يتكون من 36 مستشفى، فقد تعرض جميعها للانهيار وتحتاج إلى ما يقرب من 10 مليارات دولار وفقًا لبيانات منظمة الصحة العالمية.
كذلك تعرضت العديد من مرافق البنية الأساسية مثل محطات المياه والكهرباء للتدمير شبه الكامل، كما يعاني 100% من سكان غزة من الفقر وفقًا لبيانات البنك الدولي.
هذا الواقع المتردي يجعل من إعادة الإعمار أولوية قصوى، لذلك أكد الرئيس ترامب أن هناك بلدانًا غنية أبلغته رغبتها في المساعدة بإعادة إعمار قطاع غزة، مضيفًا أن هناك كثيرين يرغبون في الانضمام إلى مجلس السلام بشأن غزة، وقد نحتاج إلى توسيعه في ظل اتفاق الجميع على ضرورة دعم غزة.
(*) مساندة الاتفاقات الإبراهيمية:
يعد توسيع نطاق الاتفاقات الإبراهيمية ضمن أولويات إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وهو ما كشفته تصريحات مبعوث الرئيس الأمريكي إلى الشرق الأوسط ستيف ويتكوف في يونيو 2025، بأن توسيع نطاق الاتفاقيات الإبراهيمية يعد أحد الأهداف الرئيسية لإدارة الرئيس ترامب، مشيرًا إلى إعلانات مرتقبة بشأن انضمام دول جديدة إلى مسار التطبيع مع إسرائيل.
وقد دعا الرئيس الأمريكي ترامب خلال كلمته أمام قمة شرم الشيخ للسلام إلى انضمام الجميع إلى الاتفاقات الإبراهيمية، وذلك لتحقيق سلام دائم في المنطقة.
(*) منع نشوب حرب عالمية ثالثة:
يؤكد الرئيس الأمريكي ترامب أنه نجح في منع نشوب حرب عالمية ثالثة من الشرق الأوسط أو من خلال جهوده لمنع تمدد الصراع الروسي الأوكراني.
وقد أشار إلى ذلك خلال كلمته أمام قمة شرم الشيخ للسلام بالقول إنه "لن تحدث حرب عالمية ثالثة في الشرق الأوسط".
ويعكس ذلك التوجه أن غالبية دول العالم، بما فيها الدول والقوى الكبرى التي تسعى لمنافسة واشنطن كأقطاب صاعدة وفي مقدمتها الصين وروسيا، تؤيد خطة ترامب للسلام، لاسيما أنها تمثل رغبة دولية لوقف إطلاق النار وتثبيته، وإنهاء الحرب على غزة، وإحلال السلام في الشرق الأوسط الذي عانى من الصراعات المعقدة.
مجمل القول:
تنوعت رسائل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للعالم وللإقليم خلال مشاركته في قمة السلام بشرم الشيخ، ساعيًا للتأكيد على محورية الدور الأمريكي وأهميته في إحلال السلام في إقليم الشرق الأوسط، وتقديم ترامب نفسه كصانع للسلام العالمي.
لكن يبقى التحدي الذي يواجه ذلك الدور هو مدى انحيازه أو استقلاله – ولو نسبيًا – عن الرؤية الإسرائيلية لمستقبل إقليم الشرق الأوسط، بعد أن نجحت قمة شرم الشيخ في إضفاء شرعية دولية على اتفاق وقف إطلاق النار في غزة وتثبيته بما يحول دون تراجع إسرائيل والولايات المتحدة عنه مستقبلًا.