أبو عمشة: 200 طفل يغنون للحياة.. ومستمرون بعد توقف الحرب
في الوقت الذي كان صوت "الزنانة"، وهو مصطلح يطلقه الفلسطينيون على طائرات الاستطلاع الإسرائيلية، يسيطر على المشهد ويخترق مسامع أهل غزة، اختار الموسيقار الفلسطيني أحمد أبو عمشة أن يواجه الحرب بالغناء، ويرد على صوت المدافع بالموسيقى، وأن يحوّل القذائف إلى إيقاع، والمخيم إلى مسرح، والخوف إلى أغنية، في محاولة لترميم بقايا العالم الذي خلّفه الاحتلال ليس فقط على الجدران ولكن داخل النفوس.
من رحم المعاناة ولد مشروع "طيور غزة تغنّي"، الذي يسرد رحلة البداية من النزوح والتهجير إلى تأسيس فرقة مكونة من 200 طفل يتعلمون ويعزفون الموسيقى.
ويقول "أبو عمشة" عن ذلك، في حديثه لموقع "القاهرة الإخبارية": "نزحتُ أكثر من مرة، وفي إحدى المرات أُبلغنا بوجود تهديد بتفجير المكان، ولم تمضِ خمس دقائق حتى كان المسكن قد سُوِّي بالأرض واستُشهد عدد من الناس، واضطررنا إلى النزوح من جديد إلى جباليا، ثم إلى خان يونس، وبعدها إلى رفح".
ويضيف: "في البداية، لم يكن هناك متّسع لأي فكرة سوى النجاة من الموت. كنا نركض حرفيًّا للهرب من القصف والدمار، لكن حين وصلت إلى رفح، كان الوضع أكثر هدوءًا بعض الشيء، وهناك بدأت رحلتي مع المشروع الموسيقي. ذهبت إلى مكان كان مخصّصًا للفنانين، وهناك فوجئت بصديقي يُحضر جيتارًا ويطلب مني العزف. بدأت أعزف، وما هي إلا لحظات حتى التفَّ حولي أطفال المخيم.. أخذنا نغنّي سويًّا، ونسينا لوهلة أننا في قلب حرب".
بدأت الفكرة برغبة الهروب من الواقع المأساوي إلى حلم بدأ يتجسّد على الأرض رغم الدمار، إذ يقول: "في تلك اللحظة، وُلدت في رأسي فكرة لماذا لا نقيم أنشطة نداوي بها أرواحنا، ونخفّف من معاناة الأطفال، ونصنع شيئًا جميلًا وسط هذا الخراب؟".
وأضاف: "بدأتُ في تقديم جلسات غناء داخل رفح، رغم انعدام الأدوات الموسيقية، كنتُ أبحث عن الآلات الموسيقية المكسورة في الشوارع، أو فيما تبقّى من المراكز التعليمية، وأصلحها بنفسي، ثم أبدأ في استخدامها مع الأطفال".
ورغم محاولات التهجير المستمرة لم يتخل أبو عمشة عن حلمه، ويوضح ذلك، قائلًا: "عندما تم تهجيرنا من جديد إلى خان يونس، واصلنا المشروع هناك، كانت المنطقة تضم العديد من المجمعات والخيام، فبدأت أتجول وأسأل الأطفال عمن يرغب بتعلّم الموسيقى؟.. وفوجئت بعدد كبير من الأطفال الذين يمتلكون موهبة واستعدادًا للتعلّم، خلال تلك الفترة، كان لدينا أكثر من 200 طفل، وبدأتُ، بمساعدة أصدقائي المدرّسين، في تعليمهم وتدريبهم، ومن هنا، أسّسنا فرقة أطلقنا عليها اسم "طيور غزة تغنّي"، تألفت من عشرة طلاب موهوبين".
سرعان ما بدأ الموسيقار الفلسطيني أحمد أبو عمشة العمل على مشروعه وقياس ردود فعل الجمهور من خلال تسويق فكرته على مواقع التواصل الاجتماعي، إذ يقول: "بدأنا نؤلّف الأغاني، وننشرها عبر وسائل التواصل الاجتماعي. وقد لاقت صدى واسعًا، إذ تأثر كثيرون بما نحمله من رسائل، وبالواقع المؤلم الذي نحياه، لكننا نصرّ على مواجهته بالغناء والأمل".
حلم رغم المعاناة
لم تكن الرحلة سهلة، بل عانى أبو عمشة كثيرًا ليكشف عن الظروف القاسية التي عاشها هو وطلابه في منطقة خان يونس، فيقول: "كانت المعاناة في خان يونس كبيرة جدًا. لم يكن هناك طعام جيد، ولا ماء نظيف، وكنا نعاني بشكل يومي من ظروف معيشية قاسية. ومع ذلك، كنت أحاول قدر المستطاع أن أرسم الفرحة على وجوه الأطفال، أن أنسيهم ولو قليلًا أهوال الحرب، وأن أجد لهم مساحة من الأمان والبهجة داخل الجحيم".
ويضيف: "لمست أثر هذا المشروع بوضوح على الأطفال؛ كثيرون منهم كانوا يعانون صدمات نفسية عميقة، لا يتكلمون، ولا يحبّون الاختلاط، ينعزلون داخل أنفسهم، وذات يوم، فوجئت بأولياء أمور عدد منهم يأتون إليّ، يشكرونني من قلوبهم، ويقولون إن أبناءهم تغيّروا للأفضل، وإنهم صاروا أكثر انفتاحًا وفرحًا، ويرغبون في الاستمرار معنا".
وتابع: "حتى في خان يونس، نزحنا مرات عدّة من مكان إلى آخر، لكن المفاجأة كانت أن الأهالي اختاروا النزوح معنا، أينما ذهبنا، رافقونا وشيئًا فشيئًا، تكوّن مجتمع صغير يشبه العائلة: مخيم كامل يضمّ الطلاب وأسرهم والمعلمين، أصبحنا نعيش معًا، نحزن معًا، ونغنّي معًا رغم الألم".
تأثير الحرب
يؤكد الفلسطيني أبو عمشة أن الحرب أثّرت بشكل كبير عليهم: "لا شك أن الحرب أثّرت فينا بعمق، نفسيًا وجسديًا وصحيًا. إنها حرب طاحنة، تركت فينا أمراضًا وأوبئة، وتسببت في خسارتنا لأوزاننا وأرواحنا. الدمار لم يقتصر على البيوت، بل طال كل جوانب الحياة، لكننا، رغم كل ذلك، تمسّكنا بالغناء. لم يكن ترفًا، بل ضرورة للبقاء، وشعور النزوح كان من أصعب ما عشناه. أن تغادر بيتك، حياتك، ذكرياتك، ولا تدري إن كنت ستعود يومًا، ذاك شعور لا يوصف، البكاء وحده لم يكن كافيًا لتفريغ هذا الألم، لكنه كان حاضرًا دائمًا في العيون، حتى إن لم يُسكب".
ويسترجع "أبو عمشة" واحدًا من أصعب المواقف التي مرّت عليه خلال هذا المشروع: "فقدنا كثيرًا من الأصدقاء في رحلتنا، لكن أكثرهم وجعًا في قلبي كان الطفل يوسف سليمان، أحد طلابي الموهوبين في الجيتار، كان طفلًا محبوبًا، يحمل روحًا مرحة، ذات يوم، أخبرني أنه لن يحضر الدرس لأنه سيخرج للتواصل مع والده، وذهب إلى مقهى يحاول فيه التقاط شبكة هاتف".
ويضيف: "كان وقع الخبر علينا مؤلمًا جدًا، أوقفنا كل الأنشطة الموسيقية حدادًا عليه.في الأيام التالية، كان الأطفال يأتون إلى الصف، لكننا كنا نصمت جميعًا.. يوسف كان حاضرًا في قلوبنا، غائبًا عن مكانه.بعد أسبوعين، شعرنا أننا لا بد أن نغني له، لا أن نصمت.فكتبنا أغنية لروحه، سمّيناها: "ما في ليل"، وأهْدَيْناها إلى يوسف، الطفل الذي غادرنا بجسده، لكن موسيقاه بقيت معنا".
أصعب المواقف
وعلى الرغم من انتهاء الحرب فإن المشروع لن يتوقف على حد قوله: "أعتقد أن هذا المشروع سيستمر، حتى مع انتهاء الحرب سنواصل، فقد لمسنا صدى كبيرًا لما نقوم به، ليس فقط في غزة، بل في أنحاء مختلفة من العالم".
ويضيف: "حلمي أن يصبح هذا المشروع عالميًا، يستهدف كل طفل سُلبت منه ضحكته بسبب الحروب، أو التشريد، أو المآسي، أن نُعيد له شيئًا من طفولته المفقودة، أن نغنّي معه، ونعيش معه لحظات فرح، مهما كانت قصيرة، لكنها كافية لتترك أثرًا".
رسالة للعالم
يحمل أبو عشمة رسالة قوية للعالم يختتم بها حديثه قائلًا: "رسالتي من خلال هذا المشروع أن الشعب الفلسطيني يستحق الحياة. نحن شعب محبّ للسلام، ورغم كل ما نمرّ به من دمار ونزوح وموت.. ما زلنا نغنّي الحرب لن تغيّرنا سنبقى نحمل الجيتار كما يحمل غيرنا السلاح، أحلم أن تصل موسيقانا إلى كل خيمة، إلى كل طفل يشعر أنه وحيد في هذا العالم. وأقول للفنانين: لا تخافوا، عبّروا عن أحزانكم وأحلامكم بالموسيقى".