الموقع الرسمي | القاهرة الاخبارية

فقدنا الثقة في القيادات.. جندي إسرائيلي يرفع الراية السوداء من غزة

  • مشاركة :
post-title
جندي إسرائيلي يكشف وجود أزمة ثقة بين الجنود وقيادات الجيش

القاهرة الإخبارية - عبدالله علي عسكر

في خضم الحرب المستمرة على غزة تتناثر صور الشهداء يوميًا على شاشات العالم، ليكشف صوت من داخل المؤسسة العسكرية الإسرائيلية أزمة ثقة متفاقمة بين الجنود وقيادتهم، إذ يكشف موقع "هاماكوم" الإسرائيلي حجم التصدع في العلاقة بين المقاتلين الميدانيين والقيادة العليا في جيش الاحتلال.

وجاءت شهادة جندي احتياط لتثير جدلاً واسعًا في الأوساط العسكرية والسياسية، بعد انتشار مقطع فيديو يوثق استشهاد 7 أطفال بينهم رضع في حي الزيتون بغزة، بعد هجوم نفذه الجيش الإسرائيلي في 11 من الشهر الجاري.

فيديو صادم

قبل أيام قليلة، انتشر مقطع فيديو يوصف في الداخل الإسرائيلي بأنه "صادم ومروع"، الذي أظهر جثثا مشوهة لسبعة أطفال رضع راحوا ضحايا غارة جوية إسرائيلية على حي الزيتون بمدينة غزة في 11 من الشهر، وقد نسب الهجوم إلى الجيش الإسرائيلي.

وعند توجه الصحفيون إلى الناطق باسم الجيش لطلب تفسير، اكتفى بالقول إن الجيش استهدف "أعضاءً في حركة حماس كانوا موجودين في مقر قيادة وسيطرة تابع للحركة"، مضيفًا أن "الجيش لا يعلم ما إذا كان أي شخص غير متورط قد أصيب خلال العملية".

ولم يُقنع هذا الرد المقتضب كثيرين، بل زاد من حالة الغضب والشك داخل المجتمع الإسرائيلي، خاصة في صفوف الجنود الاحتياط الذين يعيشون يوميًا واقع القتال ويرون نتائجه المباشرة على الأرض.

حرب دموية وقاسية

الجندي الاحتياطي الذي نقل شهادته لـ"هاماكوم" لا يصف نفسه بالمسالم ولا بالساذج، فهو يعترف بأن الحرب بطبيعتها دموية وقاسية، وأن سقوط الأطفال والنساء وكبار السن أمر يتكرر في كل صراع مسلح، لكنه يصر على أن ثمة فرقًا بين "الحروب العادلة" التي يُدفع فيها ثمن قاسٍ لتحقيق هدف مصيري، وبين الأفعال التي تعكس لا مبالاة مروّعة بحياة المدنيين.

ويقول الجندي: "أنا أؤمن بأن هناك حروبًا عادلة، وبأن هناك أفعالًا تؤدي إلى مقتل الأبرياء لكنها مبررة أحيانًا كجزء من ثمن لا مفر منه. لكن ليس كل هدف يبرر كل قتل. ليس كل هجوم يمكن الدفاع عنه تحت ذريعة الحرب".

ومنذ ما يقارب العامين، تتوالى الصور والفيديوهات الخارجة من غزة لتوثق يوميًا تقريبًا ضحايا مدنيين بينهم أطفال، وفي كل مرة، بحسب شهادة الجندي، لا تتغير صيغة رد المتحدث العسكري الإسرائيلي: "لقد هاجمنا هدفًا لحماس، ولا نعلم إذا كان غير المتورطين قد أصيبوا".

هذا النمط المتكرر من الإجابات القصيرة، الذي يُعاد استخدامه دون أي تفاصيل إضافية أو توضيحات معمقة، أصبح برأي الجندي مثيرًا للريبة، وكاشفًا عن عجز القيادة الإسرائيلية عن مواجهة أسئلة الرأي العام، ويضيف: "من غير المعقول أن يُقتل سبعة أطفال، ويكون هذا هو رد الناطق العسكري، ومن غير المعقول أن نسمع التبرير نفسه كل يوم تقريبًا وكأن الأمر طبيعي".

الثقة المفقودة

الحرب، كما يقول الجندي، ليست مجرد معركة عسكرية، بل منظومة كاملة تقوم على الثقة، ثقة الجنود بقادتهم، وثقة المجتمع بجيشه، وثقة الجميع بالقضية التي يقاتلون من أجلها، لكن هذه الثقة، في نظره، بدأت تتآكل تدريجيًا حتى بات من الصعب الحفاظ عليها.

ويشرح أن "المقاتل في الميدان ينفذ مهمة محدودة ولا يملك الصورة الكاملة، حين نرتدي الزي العسكري، نحن نتخلى عن النظرة الاستراتيجية والسياسية، ونركز على التنفيذ فقط، لذلك، نحن بحاجة إلى الإيمان بأن الأوامر الصادرة لنا تستوفي المعايير الأخلاقية، وأن القيادة أخذت بعين الاعتبار عواقب قتل المدنيين، وبذلت جهدًا صادقًا لتجنب إيذائهم، أما الآن، فقد أصبح من المؤلم الاعتراف بأن هذه الثقة لم تعد ممكنة".

ويلفت الجندي إلى وجود "لا مبالاة متزايدة" بحياة المدنيين، وهو أمر غير مقبول برأيه، خاصة مع تواتر الهجمات اليومية التي تحصد أرواح النساء والأطفال، ويقول: "أنا متأكد أن كل هجوم له سبب عملياتي، لكن هذا لا يعفي القيادة من مسؤوليتها الأخلاقية، عندما تُقتل عائلات بأكملها، يصبح السؤال المُلح هل كان الهدف يستحق هذه التضحية؟".

في لحظة مكاشفة شخصية، يعبر الجندي عن أمله بأن يكون كل ما شاهده مجرد وهم أو خطأ في النسبة، يتمنى أن تكون الفيديوهات صادرة من مكان بعيد وليس من غزة، أو أن يكون الجيش محقًا حين يقول إن أحدًا من المدنيين لم يُصب.

لكن الحقيقة، كما يعترف، هي أن هذه الأمنيات تبدو مستحيلة، وأن غياب الشفافية من القيادة يترك الجنود والمجتمع أمام فراغ معلوماتي يفاقم من صدمتهم وقلقهم.